الخمس .. فريضة إلهيَّة (4)

المعالجة الثانية لشبهة التحليل

هذه هي المعالجة الأولى لروايات التحليل المطلق، فإذا لم تقبلوا بها فثمة معالجة أخرى، وحاصلها أنَّ روايات التحليل المطلق منافية ومعارِضة بنحو التعارض المستقر والمستحكم لروايات وجوب إخراج الخمس، وفي مثل هذا الفرض يكون المرجع هو مرجِّحات باب التعارض؛ لأنّه لا يصح العمل بهما معًا نظرًا لكونهما متكاذبتين فواحدة توُجب إخراج الخمس والأخرى تنفيه، فإحداهما غير مطابقة للواقع قطعًا، ومرجِّحات باب التعارض هي الكتاب والسنة القطعية كما دلَّت على ذلك النصوص الكثيرة الواردة عن أهل البيت (ع) كصحيحة الراوندي.

 

بمعنى أنّه إذا تعارضت روايتان أو طائفتان من الروايات وكان التعارض بينهما مستحكمًا كان المرجع هو القرآن الكريم، فما وافق كتاب الله عز وجل من الطائفتين يكون هو المرجَّح وهو الذي عليه العمل، وما خالف أو لم يوافق كتاب الله تعالى يسقط عن الحجيَّة، فإنْ لم يكن في كتاب الله تعالى شيء من ذلك فالمرجع هو السنَّة القطعيَّة فما وافقها كان هو المرجَّح وما خالفها يكون ساقطًا عن الحجيَّة.

 

وحيثث كان الأمر كذلك كان المرجَّح من الطائفتين هو روايات وجوب إخراج الخمس، لأنّها الموافقة لكتاب الله تعالى وهو قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ ..﴾(1) وبذلك تسقط روايات التحليل المطلق عن الحجيَّة.

 

منافاة روايات التحليل لسيرة الأئمّة (ع)

هذا ويمكن أن نُؤكد الترجيح لروايات وجوب إخراج الخمس بمجموعة مِن القرائن:

القرينة الأولى: إنّ روايات التحليل منافية للسيرة القطعيَّة لأئمة أهل البيت (ع) حيث كانت تصل إليهم الأخماس من شتى أقطار الحواضر الإسلامية من قم وخراسان والأهواز والعراق وغيرها من الحواضر التي كان يقطنها الشيعة، وكان لأهل البيت (ع) وكلاء يقبضون عنهم الأخماس، واستمرَّت هذه السيرة إلى زمن الغيبة الصغرى حيث عيَّن الإمام الحجة (ع) سفراءَ له، وهم: عثمان بن سعيد العمري وبعده محمد بن عثمان بن سعيد العمري وبعده الحسين بن روح النوبختي وبعده علي بن محمد السمري، الذي بموته إنتهى زمن الغيبة الصغرى، وقد كان لهؤلاء السفراء وكلاء يقبضون عنهم الأخماس فيوصلونها إليهم أو يصرفونها في مصارفها بإذن الإمام الحجَّة (ع)، هذا وقد تصدَّت كتب الرجال وكتب الأخبار لبيان أسماء الكثير من وكلاء الأئمة (ع).

 

ونحن هنا سنذكر بعض أسماء وكلاء الأئمة (ع) ثمّ نذكر بعض الروايات المعبِّرة عما عليه سيرة أهل البيت (ع) وشيعتهم فيما يتصل بشأن إخراج الخمس.

 

أمَّا أسماء الوكلاء فمنهم:

1- نصر بن قابوس اللخمي، روى الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة أنَّه كان وكيلاً للإمام الصادق (ع) عشرين سنة وكان خيِّرًا فاضلاً(2).

 

2- عبد الرحمن بن الحجَّاج، روى الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة أنَّه كان وكيلاً للإمام الصادق (ع) ومات في عصر الرضا (ع)(3).

 

3- المفضَّل بن عمر، رُوي عن هشام بن أحمر ما يظهر منه أنّه كان وكيلاً لأبي إبراهيم الإمام موسى بن جعفر (ع) ورُوي عن موسى بن أبي بكر ما هو صريح في ذلك(4).

 

3- عبد الله بن جندب البجلي، كان وكيلاً لأبي إبراهيم الإمام موسى بن جعفر (ع) ثمّ أصبح وكيلاً للإمام الرضا (ع)، قال الشيخ الطوسي كان عابدًا رفيع المنزلة لديهما على ما رُوي في الأخبار(5).

 

4- علي بن مهزيار الأهوازي، ذكره الشيخ الطوسي في ضمن الوكلاء وكان وكيلاً عن الإمام أبي جعفر الثاني الإمام الجواد (ع)(6).

 

5- علي بن جعفر الهمَّاني وكان فاضلاً مرضيًا من وكلاء أبي الحسن الكاظم وأبي محمد الرضا (ع)، أفاد ذلك الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة(7).

 

6- أبو علي الحسن بن راشد، روى الشيخ الطوسي بسنده إلى محمد بن عيسى قال: كتب أبو الحسن العسكري (ع) إلى الموالي ببغداد والمدائن والسواد وما يليها "قد أقمت أبا عليِّ بن راشد مقام علي بن الحسين بن عبد ربه ومن قبله من وكلائي.."(8).

 

7- أيوب بن نوح بن درَّاج، ذكره الشيخ الطوسي في ضمن الوكلاء، فكان وكيلاً للإمام العسكري (ع)(9).

 

8- عبد العزيز بن المهتدي القمي الأشعري، ذكره الشيخ الطوسي في ضمن الوكلاء وكان وكيلاً عن أبي جعفر (ع)(10).

 

9- صالح بن محمد بن سهل الهمداني، ذكره الشيخ الطوسي ضمن وكلاء الإمام أبي جعفر (ع)(11).

 

10- علي بن أبي حمزة البطائني وزياد بن مروان القندي وعثمان بن عيسى الرواسي قال الشيخ الطوسي: كلّهم كانوا وكلاء لأبي الحسن موسى بن جعفر (ع)(12).

 

هذه أسماء بعض مَن ذكرهم الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى في كتاب الغيبة، وقد أفاد فيما أفاد أنَّه ترك استقصاءهم لأنَّهم معروفون مذكورون في الكتب. هذا وقد ذكر بعض أسماء من انحرف من وكلاء الأئمة (ع)(13).

 

وأما ما يتّصل بنقل الأخبار المعبِّرة عن سيرة الأئمة (ع) وشيعتهم فيما يرتبط بأداء الخمس فسنذكر بعض هذه الأخبار، وعلى مَن أراد الاستزادة الرجوع إلى كتب الأخبار والمجاميع الروائيّة:

 

الرواية الأولى: رواها الشيخ الطوسي في الغيبة حينما كان بصدد الحديث عن السفير الأول للإمام الحجّة (ع) وهو أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري، وقد كان وكيلاً قبل ذلك للإمام عليٍّ الهادي (ع) ثمّ للإمام الحسن العسكري (ع) قال: روى أبو نصر هبة الله بن محمد بن بنت أبي جعفر العمري: كان أسديَّاً يعني عثمان بن سعيد إلى أنْ قال: "ويقال له السمَّان، لأنّه كان يتَّجر في السمن تغطيةً على الأمر، وكان الشيعة إذا حملوا إلى أبي محمّد (ع) ما يجب عليهم حملُه من الأموال أنفذوه إلى أبي عمرو فيجعله في جراب السمن وزقاقه ويحمله إلى أبي محمد العسكري (ع) تقيةً وخوفًا"(14).

 

الرواية الثانية: عن الشيخ الطوسي عن أحمد بن علي بن نوح أبي العبّاس السيرافي بسنده إلى محمد بن إسماعيل وعلي بن عبد الله الحسينيان قالا: دخلنا على أبي محمد الحسن (ع) بسرَّ مَن رأى وبين يديه جماعة من أوليائه وشيعته حتى دخل عليه بدر خادمه فقال: يا مولاي بالباب قوم شُعث غُبر فقال (ع) لهم: "هؤلاء نفر من شيعتنا باليمن..." إلى أنْ قال الحسن (ع) لبدر فامض فائتنا بعثمان بن سعيد العمري، فما لبثنا إلا يسيرًا حتى دخل عثمان، فقال له سيدنا أبو محمد (ع): "امضِ يا عثمان فإنَّك الوكيل والثقة المأمون على مال الله، واقبض من هؤلاء النفر اليمنيين ما حملوه من المال".

 

ثمَّ ساق الحديث إلى أنْ قالا: ثمّ قلنا بأجمعنا يا سيّدنا والله إنَّ عثمان لمن خيار شيعتك، ولقد زدتنا علمًا بموضعه من خدمتك وأنَّه وكيلك وثقتك على مال الله تعالى، قال: "نعم اشهدوا على أنَّ عثمان بن سعيد العمري وكيلي وأنَّ ابنه محمدًا وكيل ابني مهديِّكم"(15).

 

الرواية الثالثة: عن الشيخ الطوسي في التهذيب بسنده إلى علي بن مهزيار قال: "قال لي أبو علي بن راشد، قلت له: أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقك فأعلمت مواليك بذلك فقال لي بعضهم: وأيُّ شيء حقّه؟ فلم أدر ما أجيبه؟ فقال يجب عليهم الخمس، فقلت: ففي أيِّ شيء؟ فقال: في أمتعتهم وصنائعهم، قلت فالتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال له: إذا أمكنهم بعد مؤنتهم"(16).

 

الرواية الرابعة: عن الشيخ في التهذيب بإسناده عن الريَّان بن الصلت قال: كتبت إلى أبي محمّد (ع): "ما الذي يجب عليَّ يا مولاي في غلة رحى أرضٍ في قطيعة لي، وفي ثمن سمك بردي وقصب أبيعه من أجمة هذه القطيعة؟ فكتب يجب عليك فيه الخمس إن شاء الله تعالى"(17).

 

الرواية الخامسة: عن سعيد بن هبة الله الراوندي في الخرائج والجرائح عن أبي الحسن المسترق عن الحسن بن عبد الله بن حمدان ناصر الدولة عن عمِّه الحسين في حديث عن صاحب الزمان (ع) أنّه رآه وتحته (ع) بغلة شهباء وهو متعمم بعمامة خضراء يُرى منها سواد عينيه وفي رجليه خُفَّان حمراوان فقال: "يا حسين كم ترزأ على الناحية؟ ولِمَ تمنع أصحابي عن خمس مالك؟ ثمّ قال: إذا مضيت إلى الموضع الذي تريده تدخله عفوًا وكسبت ما كسبت تحمل خمسه إلى مستحقّه، قال: فقلت السمع والطاعة، ثمّ ذكر في آخره أنّ العمري أتاه وأخذ خمس ماله بعد ما أخبره بما كان"(18).

 

هذه بعض الروايات المعبِّرة عن السيرة التي كان عليها الأئمة (ع) وشيعتهم والتي كانت مستقرَّة على التباني بينهم على لزوم إيصال الخمس إلى الإمام مباشرة أو بواسطة الوكلاء.

 

فالرواية الأولى: اشتملت على التعبير بـ "كان الشيعة إذا حملوا إلى أبي محمّد -أي العسكري-ما يجب عليهم حمله من الأموال"، وهو تعبير صريح بأن تلك هي السيرة التي كان الشيعة ملتزمين بها، وهو إلتزام منشؤه الوجوب كما هو مقتضى التعبير "بما يجب عليهم حمله".

 

وأمَّا الرواية الثانية فهي تحكي عن تجشُّم بعض الشيعة لعناء السفر لا لشيء إلا لإيصال أموال الله عز وجل إلى الإمام (ع)، فالتعبير بأموال الله متعيِّن في الخمس، إذ لا يُقال للأموال الشخصيَّة أنَّها أموال الله تعالى كما لا يُطلق على الزكوات ذلك، على أنَّ الزكوات كانت تُجبى آنذاك من قبل السلطان، لذلك كان الثابت مِن فقه أهل البيت (ع) عدم لزوم إخراجها مرّة إخرى وأنَّ ما يأخذه السلطان من الزكوات ومن أموال الخراج والمقاسمة يوجب سقوط التكليف بإخراج الزكاة والخراج عن المكلَّفين لذلك يتعيَّن المراد من قوله مال الله في الخمس.

 

هذا وفي الرواية ما يعبِّر عن أنَّ إناطة الأئمة (ع) قبض الخمس بالوكلاء كان أمرًا مألوفًا.

 

وأمَّا الرواية الثالثة فهي صريحة في لزوم إيصال الخمس للإمام (ع) كما هو مقتضى التعبير بأخذ الحق والتعبير بـ "يجب عليهم الخمس" ومقتضى تعيين الوكيل وأمره بالقيام بأخذ الحق.

 

وأما الرواية الرابعة فهي تعبِّر عن المفروغية عن لزوم إيصال الخمس للإمام (ع)، والسؤال إنَّما كان عن وجوب الخمس في المورد المسئول عنه أو عدم وجوبه، وأفاد الإمام (ع) أنَّه مِن موارد وجوب الخمس.

 

وأمَّا الرواية الخامسة فهي تعبِّر عن تصدِّي الوكيل لقبض الخمس من المكلفين كما أنها اشتملت على ما يُعبِّر عن معرفة الشيعة بلزوم إيصال الخمس للإمام بواسطة الوكلاء لذلك ساغ التوبيخ من الإمام (ع) "لحسين" ولم يعتذر حينذاك عن منع إيصال الخمس للوكلاء بالجهل.

 

وثمَّة روايات أخرى كثيرة يقف عليها المراجع، ولولا خشية الإطالة لنقلنا لك ما شاء الله تعالى منها.

 

التحليل ينافي الغرض مِن تشريع الخمس

القرينة الثانية: إنَّ روايات التحليل المطلق تنافي الغرض من تشريع الخمس، إذ بعد ثبوت إيجاب الشارع المقدس للخمس على المسلمين فهذا معناه نشوء الوجوب عن ملاك ومصلحة واقعية ملزِمة، شأنه شأن سائر الواجبات، فما من واجب من واجبات الشريعة إلا وهو ناشئ عن مصلحة واقعية في متعلَّق الوجوب أدركها الإنسان أو لم يدركها، وما من محرَّم من محرمات الشريعة إلا وهو ناشئ عن مفسدة واقعيَّة في متعلَّق الحرمة سواءً أدركها الإنسان أو لم يدركها، ولو لم نقل أن أحكام الله ناشئة عن المصالح والمفاسد الواقعية لكان لازم ذلك الالتزام بجزافيَّة الأحكام الشرعيّة وعبثيّتها، وذلك مالا يرضاه المقنِّنون لأنفسهم فكيف نرضاه للشريعة المقدسة.

 

وبناءً على ذلك يكون اللازم من التحليل المطلق للخمس أحد أمرين على سبيل مانعة الخلو: فإما أن نلتزم بجزافية تشريع الخمس من أول الأمر، وذلك ما لا يمكن الإلتزام به لما ذكرناه من أنَّ أحكام الله تابعة للمصالح والمفاسد الواقعية، أو نلتزم بأنَّ تشريع الخمس نشأ عن ملاك ومصلحة واقعيَّة ملزمة ورغم ذلك أهملت الشريعة تلك المصلحة المُلزِمة وأسقطت الوجوب، وذلك ما لا يمكن الالتزام به أيضًا، إذ مع افتراض إشتمال الخمس على المصلحة المُلزِمة كيف يسوغ إسقاط الوجوب عنه، إنَّ إسقاط الوجوب بعد افتراض بقاء المصلحة الملزمة مضافاً إلى اقتضائه تفويت المصلحة على العباد يكون مِن الإجراء الجزافي غير المستند إلى مبرِّر عقلائي.

 

وبما ذكرناه يتأكد رجحان روايات وجوب الخمس وسقوط الحجيَّة عن إطلاق روايات التحليل المطلق وتعيُّن إرادة التحليل بالمقدار الذي أفادته الطوائف الثلاث.

 

وبتعبير آخر: إنَّ هذه القرينة تسلب الظهور الجدِّي عن إطلاق روايات التحليل المطلق، وحينئذٍ تصبح مجملة، إذ أنَّ الإجمال قد ينشأ من نفس الخطاب، وقد ينشأ من القرائن الخارجية المحتفَّة به، وإذا كانت روايات التحليل مجملة بسبب القرينة المذكورة وغيرها سقطت عن الحجيَّة، إذ لا حجيَّة للروايات المجملة، نعم لو وُجِد ما يصلح لتفسيرها بما لا ينافي مقتضى القرينة التي أوجبت إجمالها تعيَّن إعتماده، وبذلك يتعيَّن تفسير روايات التحليل المطلق بالطوائف الثلاث لصلاحيتها عرفًا للتفسير نظرًا لكون العلاقة بينها وبين روايات التحليل المطلق هي علاقة الإطلاق والتقييد، وذلك يقتضي عرفًا كما ذكرنا حمل الإطلاق على إرادة التقييد وأنَّ الظهور في الإطلاق لم يكن مرادًا جدَّيًا للمتكلم من أوّل الأمر.

 

مناشئ استبعاد تحليل الخمس

القرينة الثالثة: هي إستبعاد صدور التحليل المطلق عن أهل البيت (ع)، ومنشأ الاستبعاد مجموعة أمور:

الأمر الأول: إنّ أحد ملاكات جعل الوجوب للخمس هو تعويض فقراء أقرباء الرسول (ص) عن الزكاة التي حُرِّمت عليهم بإجماع الشيعة وبمقتضى الروايات المتكاثرة والصحيحة الواردة من طريق الشيعة والسنة كما ذكرنا بعضًا منها فيما تقدّم، فإذا كانت الزكاة محرَّمة عليهم كما أثبتنا، كانت النتيجة هي عدم تشريع موردٍ يعتمده فقراء آل الرسول (ص) لسدِّ حاجاتهم، وذلك مستبعد جدًا لأن مقتضاه عدم رعاية الشريعة لهم وإعتبارهم أسوأ حالاً مِن كلِّ أصناف الفقراء الذين أمَّن الشارع حاجاتهم بتشريع الزكاة لهم حتّى أنَّه فرض للعبيد سهمًا من الزكاة بقوله: (وفي الرقاب) وذلك لا يناسب حكمة التشريع ولا عدالته كما لا يُناسب الملاك من تحريم الزكاة عليهم، وهو إكرامهم وتنزيههم عن أوساخ الناس كما نقلنا ذلك عن الرسول (ص) فيما رواه البخاري في صحيحه.

 

وإذا قلت إنَّ الزكاة مباحة لأقرباء الرسول (ص) بنظر بعض علماء السنَّة، قلنا إننا نتحدث عن أئمة أهل البيت (ع) الملتزمين بحرمة الزكاة على أقرباء الرسول (ص)، فكيف يصح الإلتزام بذلك وفي ذات الوقت يتمُّ الإلتزام مِن قِبلهم بحرمان أقرباء الرسول (ص) من الخمس الذي هو نتيجة تحليله المطلق للشيعة. فلأنَّه لا يُنتظر مِن غير الشيعة الإلتزام بإخراج الخمس نظرًا لعدم وجوبه في غير غنائم الحرب، لذلك كان التحليل المطلق للشيعة يساوق حرمان أقرباء الرسول (ص) مِن الخمس.

 

وإنَّ ذلك هو ما يبعِّد إرادة الإطلاق من روايات التحليل.

 

الأمر الثاني: الذي ينشأ عنه الإستبعاد أن الخمس ليس حقًا شخصيًا للإمام (ع) حتى يسوغ إسقاطه وإنما هو حق له باعتبار منصبه الإلهي وهو الإمامة والتي تقتضي أن يكون له مورد مالي يستعين به على إدارة منصبه الذي هو أخطر المناصب بعد الرسالة، فهو بطبيعته يفتقر إلى موردٍ مالي ثابت كما هو المتعارف في النظم العقلائية، إذ لا يستقيم نظام دون موردٍ ماليٍّ ثابت خصوصًا إذا تمَّ الإلتفات إلى أن الموارد الأخرى كالخراج والفيء والأنفال والزكاة قد تمَّت الهيمنة عليها من قبل الولاة الظاهريين.

 

فإسقاط الخمس عمَّن هو ملتزم به أعني الشيعي منافٍ للحكمة التي من أجلها تمَّ تشريعه وتفويتٌ للمورد الوحيد الذي قد يُساهم في إحقاق الحق.

 

هذا فيما يتصل بالأسهم الثلاثة الأولى، وأما الأسهم الثلاثة الأخرى فهي حق للفقراء من أقرباء الرسول (ص) ومن غير المناسب التفويت لحقهم خصوصًا مع عدم جعل مورد آخر لهم يعوِّضهم عما تمَّ تفويته منهم.

 

والإمام المعصوم (ع) وإنْ كانت له الولاية المطلقة على الأسهم الثلاثة الأخرى إلا أنَّ الولاية تقتضي الرعاية للحق لا أنَّها تقتضي التضييع له فهذا مبرِّر آخر لاستبعاد إرادة الإطلاق من روايات التحليل.

 

الأمر الثالث: الذي ينشأ عنه الإستبعاد هو أنَّ الولاة العدول لا يُسقطون الحقوق التي على بعض رعاياهم لغرض التخفيف عليهم إذا كان ذلك الإسقاط موجبًا لوقوع آخرين من رعاياهم في الحرج والضيق، فإذا كان ذلك هو شأن الولاة العدول فكيف نرضى لأئمَّتنا (ع) ذلك خصوصًا إذا ما التفتنا إلى أنَّ المُفترض هو قدرة مَن عليهم الحق على أدائه واحتياج من لهم الحق إليه. إنَّ ذلك مبعِّد ثالث لإرادة الإطلاق من روايات التحليل.

 

والحمد لله رب العالمين

 

من كتاب: تساؤلات في الفقه والعقيدة

 

الشيخ محمد صنقور


1- سورة الأنفال / 41.

2- كتاب الغيبة للشيخ الطوسي ص 348.

3- كتاب الغيبة للشيخ الطوسي ص 348.

4- كتاب الغيبة للشيخ الطوسي ص 346-348.

5- كتاب الغيبة للشيخ الطوسي ص 348.

6- كتاب الغيبة للشيخ الطوسي ص 349.

7- كتاب الغيبة للشيخ الطوسي ص 350.

8- كتاب الغيبة للشيخ الطوسي ص 350.

9- كتاب الغيبة للشيخ الطوسي ص 349.

10- كتاب الغيبة للشيخ الطوسي ص 349.

11- كتاب الغيبة للشيخ الطوسي ص 351.

12- كتاب الغيبة للشيخ الطوسي ص 352.

13- كتاب الغيبة للشيخ الطوسي ص 351.

14- كتاب الغيبة للشيخ الطوسي ص 354.

15- كتاب الغيبة للشيخ الطوسي ص 355-356، إثبات الهداة 3/11 ح336، منتخب الأثر 393.

16- وسائل الشيعة باب 8 مِن أبواب ما يجب فيه الخمس ح3.

17- وسائل الشيعة باب 8 مِن أبواب ما يجب فيه الخمس ح9.

18- وسائل الشيعة باب 3 مِن أبواب الأنفال ح9.