الجرْيُ والانطباق .. معناهُ وضوابطُه

 

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

 

المسألة:

ما معنى الجري والانطباق في علم التفسير؟ وكيف يُمكن تطبيقهما والحال انَّ القرآن نزل في فترةٍ معينة وبعض الآيات نزلت في أشخاصٍ أو فئةٍ معينة؟

 

الجواب:

معنى الجرْيِ والإنطباق:

المراد من الجري والانطباق هو إسقاط وتطبيق مفاد آيةٍ من آياتِ القرآن نزلتْ في شأنٍ من الشؤون على شأنٍ آخر لم يكن قد وقع في عصر النصِّ أو لم يكن منشأً للنزول ولكنَّه واجدٌ لذات الخصوصيَّات التي اقتضت نزول الآية في ذلك الشأن.

 

وكذلك يكون الجريُ والانطباق في إسراء الآيات النازلة في أُمَّةٍ من الأمم أو فردٍ أو فئةٍ الى أُمةٍ أو فردٍ أو فئةٍ أُخرى تحمل ذات الخصوصيَّات التي كان يتَّصف بها مَن نزلت فيهم تلك الآيات وكانت منشأً لمدحها أو ذمِّها إيَّاهم.

 

المصحِّح لعملية الجري والإنطباق:

والمصحَّح لعمليَّة الجري والانطباق هو أنَّ القرآن الكريم كتابُ هدايةٍ وليس كتاباً تاريخيَّاً غرضه التوثيق لبعض الأحداث والوقائع أو التوصيف لسلوكٍ اجتماعي أو الحكم على فردٍ أو فئةٍ بالكفر أو الفسوق أو النفاق أو الإيمان، وإذا كان ذلك واحداً من أغراضه فلا يتعدَّى كونه غرضاً ثانويَّاً، وأمَّا الغرضُ الجوهريُّ فهو اعتماد ذلك الحكم او التوصيف أو تلك الوقائع وسائلَ للتبصير والهداية.

 

فحينما يوصِّف القرآنُ الكريم في بعض آياته لسلوكٍ اجتماعي كانت تسلكُه أُمةٌ من الأمم ثم يُخبر عن المصير الذي آل إليه أمرُها نتيجةَ ذلك السلوك فإنَّ غرضَه تطبيق مفاد هذه الآيات على واقع أيِّ أُمَّةٍ تقفُ على هذه الآيات، فإنْ وجدت نفسها منطَبَقاً لذلك التوصيف فهي معنيَّة من تلك الآيات، وعليه سيكون مآلها ذات المصير الذي وقع لتلك الأمة إلا أنْ تثوب إلى رشدِها وتسعى من أجل التغيير لواقعِها.

 

ومن هنا كان التوصيفُ لسلوكِ تلك الأُمَّة -والتوثيق لما كان قد وقع عليها- منشأً للتبصير والهداية، ولو كان الغرضُ من نزول تلك الآيات هو مجرَّد التوصيف والتوثيق لما صحَّ إسقاطها على واقع تلك الأُمَّة، وبهذا لا يكون القرآن من هذه الحيثيَّة منشأً للهداية.

 

وهكذا حينما يُحذِّر القرآن مثلاً من المنافقين المعاصرين لزمن النصِّ بعد التوصيف لخصوصيَّاتهم النفسية والسلوكيَّة فإنِّ غرضَه هو التحذير من كلِّ فئةٍ واجدةٍ لذات الخصوصيَّات، وعليه فإنَّ كلَّ فئةٍ متَّصفةٍ بتلك السِمات والخصال فهي مقصودة من ذلك الخطاب ونستطيعُ انْ نُسقط عليها عنوانَ المنافقين.

 

ضرورة الجري والإنطباق:

إذن فالمصحِّح لعمليَّة الجرْي والانطباق في القرآن هو كونُه كتابَ هدايةٍ وتبصير، ولهذا جاءت الرواياتُ الواردةُ عن أهل البيت (ﻉ) مؤكِّدةً على ضرورة التعاطي مع القرآن على أساس الجري والانطباق وإلا مات القرآنُ بموتِ مَن نزلتْ فيهم الآيات.

 

فممَّا ورد في ذلك ما رُوي عن أبي عبد الله (ع) قال: "إنَّ القرآن حيٌّ لم يمُت، وإنَّه يجري كما يجري الليلُ والنهارُ وكما تجري الشمسُ والقمرُ، ويجري على آخرِنا كما يجري على أولِنا"(1).

 

ومنها: ما رواه العياشي بإسناده عن أبي جعفر (ع) في تفسير قولِه تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾(2) قال (ع): "عليٌّ الهادي، ومنَّا الهادي"، فقلت: فأنتَ جعلتُ فداك الهادي؟ قال (ع): "صدقت إنَّ القرآن حيٌّ لا يموت، والآية حيَّةٌ لا تموت، فلو كانت الآية إذا نزلت في الأقوام وماتوا ماتت الآية لمات القرآنُ، ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضيين"(3).

 

ومنها: ما ورد في تفسير العياشي أيضاً بإسناده عن أبي جعفر (ع): "ولو أنَّ الآية إذا نزلت في قومٍ ثم مات أولئك ماتتْ الآيةُ لما بقيَ من القرآن شيءٌ، ولكنَّ القرآنَ يجري أولُه على آخره ما دامت السماوات والأرض، ولكلِّ قومٍ يتلوها هم منها من خيرٍ أو شرٍّ"(4).

 

ومنها: ما ورد عن فضيل بن يسار قال سألتُ أبا جعفرٍ (ع) عن هذه الرواية ما من القرآن آيةٌ إلا ولها ظهر وبطن فقال (ع): "ظهره تنزيلُه وبطنُه تأويلُه، منه ما قد مضى، ومنه ما لم يكن، يجري كما يجري الشمس والقمر كلَّما جاء تأويلُ شيءٍ منه يكونُ على الأموات كما يكون على الأحياء، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾(5) نحن نعلمُه"(6).

 

فمفاد هذه الروايات هو أنَّ فاعليَّة القرآن وحيويَّته تكمنُ في التعاطي معه على أساس الجري والانطباق، ومنها اقتُبس مصطلح الجري والذي يستبطن معنى الحركة والتجدُّد والديمومة، فكما أنَّ الليل والنهار والشمس والقمر في تجدُّدٍ دائم فكذلك هو القرآنُ لا يختصُّ به زمان، وكما أنَّ الليل والنهار يتعاقبان على كلِّ بقاع الأرض فكذلك هو القرآن لا يختصُّ به مكان دون مكان، فالمراد من الجري هو إسراءُ أحكام القرآن وتوصيفاته على كلِّ مَن كان واجداً لخصوصيَاتها بقطع النظر عن الزمان والمكان، وهذا هو معنى الانطباق والذي هو تطبيق أحكام القرآن وتوصيفاته على كلِّ مَن كان منطَبقاً لخصوصيَّات أحكامه وتوصيفاته.

 

ضابطُ الجري والانطباق:

وهنا يجدرُ التنبيه على أمرٍ وهو أنَّ إجراء آياتِ القرآن وتطبيقها على فردٍ أو فئةٍ أو أُمةٍ من الأُمم لا يكون جزافياً ولا يتيسَّر لكلِّ أحدٍ ما لم تكن له إحاطة بمعاني آيات القرآن ومراداتِه، فقد يكون مقتضى الظهور البدوي انطباق آيةٍ على أُمةٍ من الأُمم إلا أنَّ ذلك لا يُصحِّح إجراء الآية وتطبيقها على تلك الأُمة، وذلك لانَّ المصحِّح للجري والانطباق إنَّما هو الظهور الجدِّي، إذ هو الكاشفُ العقلائيُّ عن المراد الواقعيِّ للمتكلِّم وهو لا يتيسَّر إلا بعد الملاحظة لتمام القرائن والخصوصيَّات المكتنفة بالآية أو المستفادة من مجموع الآيات ذات الصلة.

 

ورغم أنَّ اعتماد الظهور الجدِّي مصحِّحٌ للجري والانطباق نظراً لكونه الوسيلة عقلائيَّاً لاستكشاف المُرادات الواقعيَّة إلا أنَّ ذلك لا يُصحِّح الجزم بالانطباق، وذلك لانَّ هذه الوسيلة العقلائيَّة لم تُعتمد على أساس أنَّها كاشفٌ قطعيٌّ عن المرادات الواقعيَّة للمتكلم وإنَّما اعتُمدت على أساس أنَّها غالباً ما تكون كاشفةً عن المُرادات الواقعيَّة، فهي إذن وسيلةٌ ظنيَّة، غايته أنَّها معتَمدة لدى العقلاء، إذ لا سبيل عندهم غالباً للكشف عن مُرادات المتكلِّم إلا الظهورات الجدِّية، وهذا هو ما صحَّح اعتمادها وسيلةً للتعرُّف على مُرادات المتكلِّمين.

 

فالمصحِّح إذن لاعتمادها عند العقلاء هو مطابقة كاشفيتها غالباً للمُرادات الواقعيَّة، وتعذُّر الوسائل الكاشفة قطعاً عن المراد الواقعيِّ غالباً.

 

فالجري والانطباق اعتماداً على الظهورات الجدِّية وإن كان مُعتبراً وصحيحاً ولكنَّ ذلك لا يعني الجزم بالانطباق، لانَّ الوسيلة المُعتمَدة لا تُنتج الجزم وهو ما يُحتم إعطاء النفس مساحةً من احتمال الخطأ وأنَّ المورد الذي تمَّ إجراء الآيةِ عليه لم يكن مطابقاً للمراد الواقعيِّ من الآية.

 

وهنا عنصرٌ آخر يتحتَّم التثبُّت منه في عمليَّة الجري والانطباق وهو الدراسة الوافية لخصوصيَّات المورد الذي يُراد تطبيق الآيةِ عليه، فما لم يُستوفَ التشخيص الموضوعي للمورد لا يكون الجري والتطبيق للآية عليه ممَّا يصحُّ التعويل عليه عقلائيَّاً.

 

إشكال على فائدة الجري والإنطباق:

وأمَّا ما قد يقال من أنَّ الجري والانطباق المعتِمد على الظهور الجدِّي إذا لم يكن مُنتجاً للجزم فما هي الفائدة المنتظَرة منه؟

 

فإنَّ الجواب هو أنَّ عدم الجزم بالتطابق مع المراد الواقعيِّ للقرآن لا يُلغي الفائدة المنتظَرة من عمليَّة الجري والانطباق وهي التبصير والهداية، وذلك لانَّ الجري اعتماداً على الظهور الجدِّي وإنْ لم يكن تطابقُه مع الواقع دائمياً إلا أنَّه غالباً ما يكون مطابقاً للواقع.

 

وهذه الخصوصيَّة أعني غالبيَّة المطابقة للواقع هي الركيزة التي يعتمدُها العقلاء في مقام التعاطي مع عموم الشؤون الحياتيَّة والاجتماعيَّة بل والثقافيَّة.

 

فأخبار الثقاة المتثبِّتين مثلاً وإنْ لم تكن مُنتجة للقطع واليقين غالباً إلا أنَّ ذلك لا يسلبُ عنها القيمة العلميَّة بعد أن كانت نتائجُها مطابقةً للواقع غالباً بنحوٍ يكون اتَّفاق عدم المطابقة نادراً جدَّاً، وهذه النُدرة هي منشأ الإلغاء عقلائياً لاحتمال عدم المطابقة على أساس حساب الاحتمالات.

 

وعليه فعدم مُنتِجيَّة الجري والانطباق المعتِمد على الظهور الجدِّي للجزم واليقين لا يسلب عنه القيمة العلميَّة وإلا كان الطريق للتعرُّف على مُرادات القرآن الكريم من ظواهر آياته منسدَّاً، وهو ما يُفضي إلى انتفاء صفة الهداية للناس عن القرآن، إذ أنَّ الوسيلة التي يعتمدُها المتلقِّي للخطاب القرآني في مقام التعرُّف على مُراداته الواقعيَّة هي الاستظهار فإذا لم يكن الاستظهار ممَّا يصحُّ التعويل عليه لم يكن من وسيلةٍ أخرى لمعرفة مُرادات القرآن، إذ لا وسيلةَ منتِجةٌ للجزم بالمُراد إلا في مواردَ محدودة كان الخطاب القرآني فيها نصَّاً في معناه.

 

بل لو كان الظهور الجدِّي فاقداً للقيمة العلميَّة لأفضى ذلك إلى عدم إمكانيَّة الوقوف على مرادات المتكلِّمين، وذلك لأنَّ التعرَّف على مُراداتهم إنَّما يكون غالباً بواسطة الاستظهار، فلو كان الاستظهار فاقداً للقيمة العلميَّة لما كان من وسيلةٍ للتفهيم والتفهُّم إذ أنَّ الاستظهار هو الوسيلة الانحصاريَّة لذلك أو تكاد.

 

ثم إنَّ ما ذكرناه من عدم مُنتجيَّة الجرْي والانطباق المعتِمد على الظهور للجزم واليقين إنَّما هو في فرض كون الممارس لعمليَّة الجري والانطباق هو المتلقِّي غير المعصوم للخطاب القرآني، وأمَّا في فرض صدور الجري والانطباق عن أحد المعصومين (ﻉ) فهو مُنتِج لليقين دون ريب، وذلك لانَّ المعصومين (ﻉ) عارفون بتمام مُرادات القرآن الكريم بواسطة الوحي، إمَّا مباشرة كما هو الحال بالنسبة للرسول الكريم (ص) أو بالواسطة كما هو الحال بالنسبة لسائر الأئمة المعصومين (ﻉ).

 

نماذج للجري والانطباق في روايات أهل البيت (ﻉ):

النموذج الأول:

قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ / وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾(7).

 

سياق الآيتين كان حديثاً عن موسى وفرعون وهامان والمستضعفين من بني إسرائيل، واشتملت كلٌّ منهما على وعدٍ إلهي بهلاك فرعون وهامان وجنودهما والتمكين للمستضعفين من بني إسرائيل في الأرض وجعلهم الوارثين لها واصطفاء أئمةٍ لهم يكونون منهم، وظاهرُ الآية الأولى أنَّ الوعد الإلهيَّ لا يختصُّ بأُمَّةٍ دون أخرى، وأنَّ إرادة الله قد تعلَّقت بالتمكين للمستضعفين في الأرض واصطفاء أئمةٍ منهم.

 

وإذا رجعنا إلى الروايات الواردة عن أهل البيت (ﻉ) والتي تصدَّت لبيان معنى الآيتين نجد عدداً منها قد طبَّق مثل قوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ على الإمام المهديِّ (ع) وبعضها أفاد انَّ المعنيَّ من قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ هم أئمةُ أهل البيت (ﻉ) فهم المستضعفون الذين منَّ الله تعالى عليهم وجعلهم أئمةً ومنحَهم الوراثة للأرض.

 

فمن هذه الروايات: ما رواه الصدوق في معاني الأخبار بسنده عن مفضَّل بن عمر قال: سمعتُ أبا عبد الله (ع) يقول: "إنَّ رسولَ الله (ص) نظر إلى عليٍّ والحسن والحسين (ﻉ) وبكى وقال: أنتم المستضعفون بعدي"، قال المفضَّل: فقلتُ: ما معنى ذلك يا ابن رسول الله؟ قال (ع): "معناه إنَّكم الأئمة بعدي إنَّ الله عزَّ وجل يقول: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ فهذه الآية جارية فينا إلى يوم القيامة"(8).

 

ومنها: ما رواه الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة بإسناده إلى محمد بن الحسن عن أبيه عن جدِّه عن عليٍّ (ع) في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ قال (ع): "هم آلُ محمدٍ يبعثُ اللهُ مهديَّهم بعد جهدهم فيُعزَّهم ويُذلَّ عدوَّهم"(9).

 

ومنها: ما رواه الكافي بسنده عن أبي الصباح الكناني قال: نظرَ أبو جعفر (ع) إلى أبي عبد الله (ع) يمشي فقال: "ترى هذا؟ هذا من الذين قال الله عزَّ وجل: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾"(10).

 

هذه روايات ثلاث وقريب من مضامينها رواياتٌ كثيرة أفادت أنَّ أئمة أهل البيت (ﻉ) من الذين منَّ الله عليهم فاصطفاهم أئمةً وأهَّلهم لوراثة الأرض، ولا يسع المقام لشرح مفاد هذه الروايات، وإنَّما أردنا التمثيل لعمليَّة الجري والانطباق في القرآن الكريم والذي لا يُلغي عموم الآية وإنَّما يتصدّى لبيان بعض مصاديقِها كما انَّه ينفي اختصاص الآية بمورد نزولها.

 

النموذج الثاني:

قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾(11)، هذه الآية والآياتُ التي سبقتها نزلت في الكافرين وتحدَّثت عن أحوالِهم يوم القيامة وأنَّهم سيتبرأ بعضُهم حينذاك من بعض، وسوف يتجرَّعون مرارة الحسرة والندم.

 

وقد طبَّقت مجموعة من الروايات هذه الآيات على أئمة الظلم وأشياعهم وأجرت بعضُ هذه الروايات الآيةَ المذكورة على أعداء عليِّ بن أبي طالب (ع).

 

فمن هذه الروايات ما رواه العياشي عن منصور بن حازم قال: قلتُ لأبي عبد الله (ع) ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾، قال (ع): "أعداءُ عليٍّ (ع) هم المخلَّدون في النار أبد الآبدين ودهر الداهرين"(12).

 

فرغم أنَّ الآية مُطلقة وكان مساقُها الحديث عن الكفار إلا أنَّ الإمام (ع) -بناء على صحة الرواية- طبَّقها وأجراها على فئةٍ من المسلمين وهم النواصب الذين ينصبون العداء لعليٍّ (ع).

 

النموذج الثالث:

﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾(13).

 

طبَّقت بعضُ الروايات عنوان الظلم الوارد في الآية المباركة على الخوارج، فقد روى العياشي في تفسيره عن أبي بصير قال: سألتُه عن قول الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾(14)، قال (ع): "نعوذُ بالله يا أبا بصير أنْ تكون ممَّن لبس إيمانه بظلم" ثم قال: "أولئك الخوارج وأصحابُهم"(15).

 

وثمة رواياتٌ كثيرة تفوقُ حدَّ الإحصاء يمكنُ حملُها على الجري والانطباق، ومن ذلك يُعرف أنَّ مثل تلك الروايات لم تكن بصدد التفسير ولا تقتضي الحصر في الموارد التي طُبِقِّت الآيات عليها كما أنَّها لا تقتضي نفي ما ورد في أسباب نزول الآيات.

 

والحمد لله رب العالمين

 

من كتاب: شؤون قرآنية

الشيخ محمد صنقور


1- بصائر الدرجات -محمد بن الحسن الصفار- ص51، الكافي -الشيخ الكليني- ج1 / ص192، بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج2 / ص279.

2- سورة الرعد / 7.

3- تفسير العياشي -محمد بن مسعود العياشي- ج2 / ص203.

4- تفسير العياشي -محمد بن مسعود العياشي- ج1 / ص10.

5- سورة آل عمران / 7.

6- بصائر الدرجات -محمد بن الحسن الصفار- ص216، تفسير العياشي -محمد بن مسعود العياشي- ج1 / ص11.

7- سورة القصص / 5-6.

8- معاني الاخبار -الشيخ الصدوق- ص79.

9- الغيبة -الشيخ الطوسي- ص184.

10- الكافي -الشيخ الكليني- ج1 / ص306.

11- سورة البقرة / 167.

12- تفسير العياشي -محمد بن مسعود العياشي- ج1 / ص73، تفسير فرات الكوفي -فرات بن إبراهيم الكوفي- ص122.

13- سورة الأنعام / 82.

14- سورة الأنعام / 82.

15- تفسير العياشي -محمد بن مسعود العياشي- ج1 / ص367.