حديث حول نبيِّ اللهِ أيوب (ع) (1)

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي تَجَلَّى لِلْقُلُوبِ بِالْعَظَمَةِ، وَاحْتَجَبَ عِنِ الاَبْصَارِ بِالْعِزَّةِ، وَاقْتَدَرَ عَلَى الاَشْيآءِ بِالْقُدْرَةِ، فَلاَ الاَبْصارُ تَثْبُتُ لِرُؤْيَتِهِ، وَلاَ الاَوْهَامُ تَبْلُغُ كُنْهَ عَظَمَتِهِ. تَجَبَّرَ بالْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيآءِ، وَتَعَطَّفَ بِالْعِزِّ وَالْبِرِّ وَالْجَلالِ، وَتَقَدَّسَ بِالْحُسْنِ وَالْجَمَالِ، وَتَمَجَّدَ بِالْفَخْرِ وَالْبَهآءِ، وَتَجَلَّلَ بِالْمَجْدِ وَالاْلاءِ، وَاسْتَخْلَصَ بِالنَّورِ وَالضِّيآءِ، خالِقٌ لا نَظِيرَ لَهُ، وَأَحَدٌ لا نِدَّ لَهُ، وَواحِدٌ لا ضِدَّ لَهُ، وَصَمَدٌ لاَ كُفْوَ لَهُ، وَإلهٌ لا ثَانِيَ مَعَهُ، وَفاطِرٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وَرازِقٌ لا مُعِينَ لَهُ، وَالأَوَّلُ بِلا زَوال، والدَّآئِمُ بِلا فَناء، وَالْقائِمُ بِلا عَنآء، وَالْمُؤْمِنُ بِلا نِهَايَة، وَالْمُبْدِئُ بِلا أَمَد، وَالصَّانِعُ بِلا أَحَد، وَالرَّبُّ بِلا شَرِيك، وَالْفاطِرُ بِلا كُلْفَة، وَالْفَعَّالُ بِلا عَجْز، لَيْسَ لَهُ حَدٌّ فِي مَكان، وَلا غايَةٌ فِي زَمان، لَمْ يَزَلْ وَلاَ يَزُولُ وَلَنْ يَزَالَ كَذلِكَ أَبَدَاً، هُوَ الإِلهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، الدَّآئِمُ الْقادِرُ الْحَكِيمُ.

وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، ارتضاهُ برسالتِه، وائتمنَه على وحيِّه، وانتجبَه من خليقتِه، واصطفاهُ من بريِّتِه، فأَوجبَ الفوزَ لمَن أطاعَهُ وقَبِلَ مِنْهُ، والنارَ على مَنْ عصاهُ وصَدَفَ عنْهُ.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ أَمِينِكَ عَلَى وَحْيِكَ، ونَجِيبِكَ مِنْ خَلْقِكَ، وصَفِيِّكَ مِنْ عِبَادِكَ، إِمَامِ الرَّحْمَةِ، وقَائِدِ الْخَيْرِ، ومِفْتَاحِ الْبَرَكَةِ. كَمَا نَصَبَ لأَمْرِكَ نَفْسَه وعَرَّضَ فِيكَ لِلْمَكْرُوه بَدَنَه وكَاشَفَ فِي الدُّعَاءِ إِلَيْكَ حَامَّتَه وأَدْأَبَ نَفْسَه فِي تَبْلِيغِ رِسَالَتِكَ وأَتْعَبَهَا بِالدُّعَاءِ إلى مِلَّتِكَ.

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، الَّتِي هِيَ الزَّادُ وبِهَا الْمَعَاذُ، زَادٌ مُبْلِغٌ ومَعَاذٌ مُنْجِحٌ، دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ، ووَعَاهَا خَيْرُ وَاعٍ، فَأَسْمَعَ دَاعِيهَا وفَازَ وَاعِيهَا، عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ تَقْوَى اللَّهِ حَمَتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ مَحَارِمَهُ، وأَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ، ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وعَنَاءٍ وغِيَرٍ وعِبَرٍ، فَمِنَ الْفَنَاءِ أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ، لَا تُخْطِئُ سِهَامُهُ، ولَا تُؤْسَى جِرَاحُهُ، يَرْمِي الْحَيَّ بِالْمَوْتِ، والصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ، والنَّاجِيَ بِالْعَطَبِ، آكِلٌ لَا يَشْبَعُ، وشَارِبٌ لَا يَنْقَعُ، ومِنَ الْعَنَاءِ أَنَّ الْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لَا يَأْكُلُ، ويَبْنِي مَا لَا يَسْكُنُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلى اللَّهِ تَعَالَى، لَا مَالًا حَمَلَ، ولَا بِنَاءً نَقَلَ، ومِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً، والْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً، لَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا نَعِيماً زَلَّ وبُؤْساً نَزَلَ، ومِنْ عِبَرِهَا أَنَّ الْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ، فَيَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ، فَلَا أَمَلٌ يُدْرَكُ، ولَا مُؤَمَّلٌ يُتْرَكُ.

قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد:

﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ / ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ / وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ﴾(1)

ذكر الله ُتعالى أيوبَ (ع) في عدَّةِ مواضعَ من القرآنِ الكريم، فقد ذكرَه في سورة النساء، وذكرَه في سورةِ الأنعام، وذكره في سورةِ الأنبياء، وكذلك في سورة ص، وهي الآياتُ التي تلوناها.

أيَّوب (ع) من الأنبياء ومن سلالة إبراهيم:

أيوبُ (ع) كان من أنبياءِ بني إسرائيل، والأشهرُ بين المؤرخين أنَّه كان من سُلالة إبراهيمَ الخليل (ع)، أي انَّه ينحدرُ من سُلالة إبراهيمَ (ع) عن طريق ابنِه إسحاق، وثمة أقوالٌ أخرى إلا أنَّ هذا القول هو الأصحُّ على الظاهرِ كما يُستفادُ ذلك من القرآن الكريم، حيثُ عدَّ أيوبَ من ذريَّةِ إبراهيمَ في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ -إلى أن قال- وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾(2).

فالظاهرُ انَّ الضميرُ في قولِه: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ يعودُ على إبراهيم، وعليه يكونُ الأصحُّ هو أنَّ أيوبَ (ع) كان مِن سُلالةِ وذريةِ إبراهيم (ع)، وفي مقابلِ ذلك ذهبَ البعضُ إلى أنَّه رجلٌ رومي -أي انَّه ينحدرُ من سُلالةٍ رومانيَّة-، وهناك مَن ذهبَ إلى غير ذلك إلا أنَّ الأصحَّ على الظاهر هو أنَّه من أنبياءِ بني إسرائيل، ومن سُلالة نبيِّ اللهِ إبراهيم (ع)، ويَذكرُ المؤرخون أنَّ أمَّ أيوب (ع) تنحدرُ من سُلالة نبيِّ الله لوط (ع)، ولأنَّ نبيَّ الله لوط (ع) لم يكن له بنين كما هو المعروف وإنَّما كان له بناتٌ، فإذا كانت أمُّ أيوب من سُلالة نبيِّ اللهِ لوط (ع) كما يذكرُ المؤرخون فمعنى ذلك انَّ أمَّ أيوب تنحدرُ من سُلالةِ نبيِّ اللهِ لوط (ع) من طريقِ إحدى بناتِه.

ادِّعاءٌ من التوراة والردُّ عليه:

وعلى أيِّ تقدير، فالتوراةُ الموجودةُ فعلاً تدَّعي أنَّ أيوبَ (ع) أساساً لم يكنْ من الأنبياء، وإنَّما كان رجلاً من المحسنين، وكان من الأثرياء المتموِّلين، فكانَ يملكُ الكثيرَ من الأموال وكان مُحسناً إلى الناس، أما أنَّه مِن الأنبياء فلم يكن كذلك، لكنَّ القرآنَ الكريم ينفي هذه الدعوى، ويُثبتُ أنَّ أيوبَ (ع) كان من الأنبياء، والجديرُ بالذكر انَّ اليهود ينفون النبوَّةَ عن عددٍ من الأنبياء الذين أثبتَ القرآنُ نبوَّتهم كأيوبَ وسليمانَ أيضاً، ويقولون إنَّ سليمانَ ملِكٌ ولم يكن نبيِّاً، وكذلك فإنَّ أيوب كان رجلاً ثريَّاً محسناً ولم يكن من الأنبياء، وأما القرآن فيقول: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ -الخطاب موجَّه للرسول الكريم (ص)- كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا / وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾(3)، فهذه الآياتُ المباركات عدَّت أيوبَ (ع) في سياق الأنبياء الذين أوحى اللهُ تعالى إليهم، نعم لم يتصدَّ القرآنُ الكريم لبيانِ أحوالِ أيوب وأحوال قومِه وإلى أيِّ شيءٍ بُعث وإلى مَن بُعث، ولم تتحدَّثِ الآياتُ عن أيوبَ(ع) إلا من جهةِ بلائه الذي ابتُلي به، فجُعل مثلاً للصابرين، هذا ما ركَّز عليه القرآنُ الكريم من سيرة وحياة أيوبَ (ع)، ذكره في سورة ص التي تلونا آياتها في صدر الحديث، وذكره أيضاً في سورة الأنبياء في قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ / فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾(4).

ويظهرُ أنَّ البلاءَ الذي أصابَ أيوبَ لم يُبتلَ به أحدٌ ممَّن سبقه من الأنبياء، لذلك أُعتُبر أيوبُ (ع) مثالاً للصابرين وسلوةً لهم وأُنموذجاً يُحتذى به في الصبرِ والتفويضِ والاحتسابِ عند الله تعالى.

نبيُّ الله أيوب (ع) قبل البلاء:

كان أيوبُ -كما يذكرُ المؤرخونَ وكما تؤكِّدُ الرواياتُ- كثيرَ المال، فكان له الكثيرُ من الإبل، وكان له الكثيرُ من المواشي من الأبقارِ والأغنام، وكانت له مساحاتٌ شاسعةٌ مزروعةً بمختلف الزروع، وكان له من العبيدِ والإماءِ والخدمِ والحشم الشيءُ الكثير، وكان له بنونَ وبنات، هكذا كانت حالُ أيوب (ع) وقد بقيَ على هذه الحال إلى أنْ بلغَ عمرُه كما يذكر المؤرخونَ والرواة سبعينَ أو ثلاثاً وسبعينَ سنة، فكان على حالةٍ من الرخاء واليُسر والثراءِ والنعيم طيلةَ هذه المدَّة، ورغم كثرةِ ماله وسعة ثروته إلا انَّه لم يَطغَ ولم يبطُرْ بل كان دائمَ الشكرِ لله عزوجل، كثيرَ الأوبةِ إلى الله عزَّ وجل كما وصفه القرآنُ الكريم بقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾(5) أي كثيرُ الرجوعِ لله عزَّ اسمُه وتقدَّس، فكانَ كثيرَ السجود، كثيرَ الصلاة، وكان (ع) لا يجلسُ على مائدةٍ إلا ويكونُ عليها يتيم، فهو يأبى أنْ يأكلَ قبل أنْ يتفقَّد يتامى قومِه، ولقد كان يرعاهم ويُحسنُ إليهم، وكان لا يلبسُ قميصاً جديداً قبلَ أنْ يتأكَّد من أنَّ أحداً من بني قومه لا يُعوزُه قميص، كان رؤوفاً رحيماً شديدَ الشفقةِ والرفقِ بقومه وبالضعفاءِ منهم، وكان يكفلُ الأراملَ والأيامى والمساكينَ، ويُقري الضيوف، هذه هي سيرتُه كما تؤكِّدُ ذلك الروايات وكما يؤكِّدُ المؤرخون.

هذا الرجلُ أخذ ينبزُه بعضُ المرضى -مرضى القلوب-، كانوا يقولون: إنَّ أيوبَ إنَّما يشكرُ ربَّه ويُحسنُ للناس لأنَّه كثيرُ المال، فلو ابتُلي في مالِه لم يشكرْ ولَسخِطَ على ربِّه وتبرَّمَ وشكاه، فأراد اللهُ عزَّ وجل أنْ يُريَهم أنَّ هذا الرجلَ لا يختلفُ عندَه الحال أنْ يكون ثريَّاً أو يكونَ فقيراً".

أيوب (ع) وفصولُ البلاء:

وبدأَ فصلُ البلاءِ على أيوب (ع)، فنفَقتْ كلُّ أبلِه دون استثناء حتى لم يبقَ عنده منها واحدة، فقال: هي عاريةٌ يملكُها ربُّها وقد أعارني إيَّاها ثم قبضَها إليه فله الحمدُ وله الشكر، فنفقتْ ماشيتُه فلم تبقَ مِن بقرةٍ ولا مِن شاةٍ عنده في مدةٍ يسيرة، فكان شأنُه الحمدَ والشكر، يأتيه بعضُ خدمه فيُخبرونه عن ذلك فيسجدُ لله تعالى، فكما كان يسجدُ حينما تتناسلُ إبلُه فإنَّه صار يسجدُ كلَّما أُخبر عن أنَّ إبلاً من إبله قد نفَقَت، وكان يسجدُ كلَّما تكاثرتْ ماشيتُه وظلَّ يسجدُ بعدما نفقتْ وهلكتْ ماشيتُه، ثمَّ جاء الحريقُ على كلِّ زروعه والتهمَها، فلم يبقَ له من زرعٍ ولا ضرع، فازداد شكراً لله تعالى، لم يقفِ البلاءُ عند هذا الحد.

فقد يصبرُ الإنسانُ على الفقر ولكن يشقُّ عليه أنْ يصبرَ على الفقد، فماتَ أحدُ أبنائه، فحمِد اللهَ تعالى وصبر واحتسب، فما أفاق من ألَمِ فِراقِه حتى ماتَ الآخر، وهكذا مات الثالثُ والرابعُ حتى غيَّب الموتُ كلَّ بنيه السبعة، فلم يبقَ له من بنين، وكان ذلك في وقتٍ متقارب، وماتَ معهم أو بعدهم بناتُه، فأصبحَ لا بنينَ ولا بنات، ولا إبلَ ولا شياه، ولا زروع، ولم يبقَ له من شيء، حتى بلغتْ به الفاقةُ حدَّاً لم يكنْ يجدُ معها ما يتقوَّتُ به ويأكلُه، وكان عزيزاً شريف القدر يأبى أنْ يتكفَّف وأنْ يتسوَّلَ وأنْ يقبلَ الصدقة، وكانت زوجتُه من بنات الأشراف، من أحفاد يوسفَ الصدِّيق (ع) ولهذا عزَّ على أيوبَ أن تُصير إلى هذه الحال لا تجدُ عنده ما يسدُّ بُلغتَها، فقد يُولدُ الإنسانُ فقيراً ويعتادُ الفقر أما أنْ يُمسي ثريَّاً غنياً مليَّاً ويُصبحَ فقيراً لا قوتَ عنده، فهذا من أشدِّ البلاء، ثم انَّه قد يفتقرُ الإنسان ويفقدُ كلَّ ما عنده فيصبرُ على مضض، لأنَّ حولَه أبناءَه وبناتِه يتعزَّى بهم، أما ان يُبتلىَ بالفقر المذقِع بعد الغنى ثم لا يلبثُ حتى يُفاجئَه الموتُ بخطفِ كلِّ أبنائه وبناته فذلك من البلاءِ الذي لا يكاد أنْ يُطاق.

الفصلُ الأخير من بلاءِ أيوب:

ثمَّ جاء الفصلُ الأخيرُ من البلاء، والذي هو الأشدُّ والأشقُّ على أيوب (ع)، ابتُليَ في جسده بأمراضٍ متعدَّدةٍ ومختلفة حتى ما بقيَ له عضوٌ إلا وهو موجوعٌ، مألوم، فكلُّ جسده كان يضجُّ بالألمَ الفظيع، هكذا أفادتِ الروايات، وأكَّدت انَّه قد ابتُلي بالسُقمِ والمرضِ في كلِّ بدنه سوى عينيه ولسانه وأُذُنه وقلبِه وعقلِه، وأما سائرُ أعضائه وجوارحِه الباطنيَّةِ منها والظاهرية فقد ابتُليت بالمرض والسُقمِ والوجعِ حتى اقعدته عن أنْ يسترزق بل أقعدته عن القيام بشؤونه، والإنسانُ إذا وقع مريضاً وكان أولادُه حولَه فإنَّه يجدُ فيهم مَن يُمرِّضُه، فهو يجدُ من يحملُه ومَن يسقيه ومَن يُطعمُه ومن يبحثُ له عن الدواء ومن يناولُه إيَّاه، وأما مَن فقد كلَّ أولادِه فلا بنينَ ولا بنات فإنَّه يُمسي ويُضحي ولا حيلةَ له خصوصاً إذا لم يكن له أموالٌ يستأجرُ بها مَن يُمرِّضُه، ويشتري بها دواءً لعلاجِه كذلك كانت حالُ أيوب (ع) إذ لم يبقَ له ومعه سوى امرأةٍ عجوز لا تستطيعُ حيلةً ولا تملك سبيلاً لا لرفع المرض عنه بل ولا لتمريضه ولا لجلب طعامٍ وشرابٍ له، فهي امرأةٌ ضعيفة إلا انَّ الظروفَ القاسية اضطرتها إلى أنْ تخدِمَ في بيوتات بني إسرائيل لتأتيَه كلَّ يومٍ برغيفٍ أو نصفِ رغيفٍ يتقوَّتُ به.

والأشدُّ على أيوب من كلِّ ذلك أنَّ الذين كانوا حولَه هجروه، أما خدمُه فمات منهم مَن مات وفرَّ منهم مَن بقي، ولم يبقَ معه من أحد، وأمَّا أصدقاؤُه وعشيرتُه فقد تنكَّروا، فلم يصفُ لهُ منهم أحد، فكلُّهم قد هجرَهُ وجفاهُ، ويُقال أنَّ له أخوين فكانا ممَّن هجره وتنكَّر له، فلم يبقَ معه سوى زوجتِه التي ضربت أروعَ الأمثلةِ في الوفاء، فهي لم تكتفِ بالبقاء إلى جانب زوجِها لمواساتِه بل أخذتْ تعملُ في بيوتات بني إسرائيل لتجلبَ له في كلِّ يوم رغيفاً هو ثمنُ خدمتِها، لكنَّ مرضى القلوب لم يكتفوا بالتنكُّرِ لأيوبَ وزوجتِه بل جهدوا من أجل منع زوجتِه من العمل، فأخذوا يبثُّون التوجُّسَ في قلوبِ الناس من شأنِ أيوبَ وزوجتِه، فكانوا يقولون: لعلَّ المرضَ الذي أصاب أيوبَ مُعدٍ ولعلَّ العدوى انتقلتْ لزوجتِه فهي التي تُباشره، لذلك فإنَّا لا نأمنُ على أولادِنا وزوجاتنا من أنْ تنتقلَ العدوى منها إليهم، فالأجدرُ هو منعُها من أنْ تخدمَ في بيوتات بني إسرائيل. وهكذا فالبلاء في كلِّ يومٍ تضيقُ حلقاتُه على أيوب (ع).

هذه هي خُلاصةُ ما وقع لنبيِّ الله أيوبَ (ع) وبقيَ على هذه الحال سبعَ سنين كما ذكر بعضُهم، وذكر آخرون أنَّه قد بقيَ على هذه الحال ثمانية عشرَ سنة، وأقلُّهم ذكر أنَّه بقيَ على ذلك ثلاثَ سنين، والأرجحُ أنَّ بلاءَه امتدَّ سبع سنين.

أيوبُ (ع) كما تصفه الإسرائيليات:

ثم إنَّ مما ينبغي التنبيهُ عليه هو انَّ ما ذكرناه كان أقصى ما أصابَ أيوبَ (ع) من البلاء، وأما غيرُ ماذكرناه ممَّا تسمعونه فأكثرُه من ممَّا تمَّ دسُّه من الإسرائيليات، فأيوبُ (ع) شأنُه شأنُ سائر الأنبياء أُدخلتْ على قَصصهم وأحوالِهم الكثيرُ من الرواياتِ المكذوبة التي تسرَّبت إلى التراث الإسلامي -من غير طرقنا- تسرَّبت إليه ممَّن أسلم من أهل الكتاب مكايدةً، وقد كان لقلَّةِ الوعي والتبصُّرِ أو الرقَّةِ في الدين لدى العديد من الرواة أثرٌ واضحٌ في رواج هذه الأكاذيب، فمثلاً ذكروا أنَّ أيوبَ (ع) إنَّما وقعت عليه كلُّ هذه البلاءات لأنَّه كان قد ارتكب ذنباً، وهو أنَّه لم يكن يأمرُ بالمعروف، وأنَّه كان قد داهنَ فرعون لذلك ابتُليَ بهذا البلاء، فأصابَه ما أصابه من البلاء لذلك الوزرِ الذي ارتكبه، وقد تصدَّى أهلُ البيت (عليهم السلام) لردِّ هذه المفتريات، وأكَّدوا أنَّ الإبتلاء الذي أصابَ أيوب (ع) لم يكن عن ذنبٍ ارتكبه، فالبلاءُ -كما أفاد أهل البيت (عليهم السلام)- نوعان بلاءُ استحقاقٍ، وبلاءُ اختصاص، وإنَّما ابتُلي أيوب لأنَّ الله تعالى قد اختصَّه واجتباه وأراد له المقامَ السامي، وأراد أن يجعله مثلاً يُحتذى للصابرين المحتسبين، ولم يكن قد أذنبَ من ذنبٍ قط.

دعوى إنَّ أيوب أذنب فابتُلي كاذبة:

فممَّا ورد عن أهل البيت (ع) في ذلك ما روي عن الإمام الصادق (ع) قال: "إنَّ أيوب ابتُلي من غير ذنب"(6)، وقال (ع) فيما روي عنه: "ابتُلي أيوب (ع) سبع سنينَ بلا ذنب"(7)، وروي عنه (ع) انَّه قال: "إنَّ الله تبارك وتعالى ابتلى أيوب (ع) بلا ذنبٍ فصبر حتى عُيِّر وإنَّ الأنبياء لا يصبرون على التعيير"(8)، وسوف نقف على هذه الفقرة فيما بعد إنْ شاء الله.

فدعوى انَّ أيوب (ع) قد ابتُلي لأنَّه كان قد ارتكب ذنباً هي دعوى كاذبة، وقد تسرَّبت إلى تراثنا الإسلامي من الإسرائيليات التي دسَّها الوضَّاعون من أهل الكتاب وممَّن تأثر بمفترياتهم، وقد تصدَّى أهل البيت (عليهم السلام) لتفنيد ذلك والكشفِ عن زيفه.

هل ابتُلي أيوب في جسده بالقروح والدماميل؟!

ومن الأمور التي ذكرها بعضُ الرواة من غيرنا، ونقلَها بعضُ مشايخِنا إلى كتبهم تسامحاً هو أن أيَّوب (ع) ابتُليَ في جسده بالدماميل والقروح حتى انَّه كانت تخرجُ من كلِّ جسده دماميلُ كبيرة ثم تُفقأ فيخرجُ منها القيحُ والدمُ والدود، وإنَّ جسدَ أيَّوب أصبحَ كقرحةٍ واحدة من رأسه إلى أخمُصِ قدميه، وكان الدودُ يعبثُ في جميع بدنه، ولذلك رماه قومُه في كُناسةٍ تُسمَّى بكناسة بني إسرائيل، فظلَّ في تلك المزبلة يُصارعُ الدودَ الذي كان يخرجُ من جسده والقوارضَ والحشراتِ والدوابَّ التي صارت تعبثُ حوله وعلى جسده، وزعموا انَّه بقيَ على هذه الحال مدة سبعِ سنين، فكان الناسُ لا يطوفون من ذلك الطريقِ استقذاراً وتنفُّراً من رائحةِ أيَّوب (ع) حتى أنَّه إذا مرَّت الدابةُ بالقُربِ من أيوب (ع) نفرتْ من شدَّةِ نتنِ الرائحةِ المنبعثة من جهته، هكذا يزعمون!! وقد تسمعون بعضَ الخطباء يتسلَّون بنقلِ هذه المخاريق، فلم يكن الأمرُ كذلك، فأيوبُ (ع) قد ابتُلي في جسده هذا صحيح، وكانتِ الأسقامُ التي أصابت جسدَه شديدةً جداً حتى أقعدته عن القيام بشؤونه فهذا صحيح أيضاً، أما إنَّه ابتُليَ بقروحٍ في جسده حتى خرج الدودُ من جسده فهذا من الكذب، وكذلك من الكذبِ ما ادَّعاه بعضُهم من أنَّه ابتُلي بالجذام، والجذامُ مرضٌ جلديٌّ يترتَّبُ عنه تيبُّسٌ في أطراف الجسد مثلِ الأصابع والأنف والأذن حتى تتقطعَ شيئاً فشيئاً، فقد ادَّعى هؤلاء انَّ أيوبَ قد تساقطت من أثر الجُذام أصابعُ يديه وقدميه وأُذناه وأرنبةُ أنفه وحواجبُه وأشفارُ عينيه بل إنَّ الجذام بلغ منه مبلغاً ترتَّب عنه تناثرُ جلدِه ولحمِه، وكلُّ ذلك من الكذب، وليس له حظٌ من الواقع.

وقد تصدَّى أهلُ البيت (عليهم السلام) لنفيه، فمن ذلك مارواه الشيخُ الصدوق في الخصال بسنده عن الإمام جعفر بن محمدٍ الصادق (ع) عن أبيه الباقر (ع)، قال: "إنَّ أيوبَ (ع) ابتُلي سبعَ سنين من غير ذنب، وإنَّ الأنبياءَ لا يُذنبون لأنَّهم معصومونَ مطهَّرون، لا يُذنبون ولا يَزيغون ولا يرتكبون ذنباً، صغيراً ولا كبيراً"(9). وقال (ع): "إنَّ أيوبَ (ع) مع جميع ما ابتُلى به لم ينتنْ له رائحة -هنا يتصدَّى الإمام الباقر(ع) لتزييف ما أثير حول مرضِ أيوب من الأكاذيب- قال (ع): إنَّ أيوب (ع) مع جميعِ ما ابتُلى به لم ينتن له رائحة، ولا قبُحتْ له صورة -فلم تتشوه صورتُه ولم يتغيَّر حُسنُه كما أفاد الإمامُ الباقر-، قال (ع): ولا خرجت منه مَدَّةٌ من دم -يعني انَّ أسقامه لم تنشأ عنها قروحٌ ولا جُراحات، فالإمامُ يقول انَّه حتى مقدار مدةٍ من دم لم يكن قد خرج من جسده- قال (ع): ولا خرجت منه مَدَّةٌ من دمٍ ولا قيح، ولا استقذره أحدٌ رآه، ولا استوحش منه أحدٌ شاهده، ولم يُدوِّدْ شيءٌ من جسده، وهكذا يصنعُ اللهُ عزَّ وجل بجميعِ مَن يبتليه من أنبيائه وأوليائه المكرَّمين (عليهم السلام)"(10)، إلى آخر الرواية.

إذن كلُّ ما يذكرُه هؤلاءِ من أنَّ أيوب (ع) قد ابتُلي في جسده بالدماميل حتى تقيَّحَ وتقرَّحَ وخرج الدودُ من قروحه فهو من الكذبِ وليس له في الصحةِ من نصيب.

ونستكمل الحديث حول أيوب (ع) فيما بعد.

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ / إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ / فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ / إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾(11)

خطبة الجمعة - الشيخ محمد صنقور

17 من شعبان 1436هـ - الموافق 5 يونيو 2015م

جامع الإمام الصادق (عليه السلام) - الدراز


1- سورة ص / 41-43.

2- سورة الأنعام / 83-84.

3- سورة النساء / 163-164.

4- سورة الأنبياء / 83-84.

5- سورة ص / 44.

6- علل الشرائع -الشيخ الصدوق- ج 1 ص 75.

7- علل الشرائع -الشيخ الصدوق- ج 1 ص 75.

8- علل الشرائع -الشيخ الصدوق- ج 1 ص 75.

9- بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج 12 ص 348، عن الخصال.

10- بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج 12 ص 348، عن الخصال.

11- سورة الكوثر.