التَمندُل بعد الوضوء

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

 

المسألة:

هل التمندُلُ وتجفيفُ بلَلِ الوضوءِ بعد الوضوءِ مكروه؟

 

الجواب:

نُسب إلى المشهور -كما في الحدائق(1) والكفاية للسبزواري(2)- القول بكراهة التمندُل بعد الوضوء، والظاهرُ أنَّ عمدةَ مستندِهم في ذلك هو ما رواهُ كلٌّ من الصدوق والكلينيِّ والبرقي في المحاسن بأسانيد تنتهي إلى محمَّد بن حمران عن الصادق (عليه السلام) قال: "ومَن توضَّأَ وتمندَّل كُتبتْ له حسنةً، ومَن توضَّأ ولم يتمندَلْ حتى يجفَّ وضوؤُه كُتبتْ له ثلاثين حسنة"(3).

 

والروايةُ بجميع طرقِها ليست نقيةَ السند لاشتمالِها على مجاهيل، ولذلك فهي ساقطةٌ عن الاعتبار لولا دعوى انجبارِ سندِها بعمل المشهور، وأمَّا من حيثُ الدلالة فهي ليست ظاهرةً في أكثر من رُجحان تركِ التمندُل إلا أنْ يُقال: هي ظاهرةٌ في أنَّ التمندُل سبباً للحرمان من ثوابٍ كثيرٍ وهو ما يقتضي ظاهراً مرجوحيَّتِه والذي هو تعبيرٌ آخر عن الكراهة، فالتمندُل فعلٌ مرجوحٌ ومكروهٌ نظراً لكونِه مُوجباً للحرمان من ثوابٍ لولاه لَحَظِيَ المكلَّفُ به.

 

فهو ليس من قبيل تركِ الصلاة في الجامع وأداؤها في مسجد السوق حتى يقال إنَّ الصلاةَ في الجامع وإنْ كانت أفضل إلا أنَّ ذلك لا يقتضي كراهةَ الصلاة في مسجد السوق، فالفرقُ بين الموردين هو أنَّ الحرمان من ثواب الصلاة في الجامع نشأ عن ترك الصلاة فيه ولم ينشأ عن أدائها في مسجد السوق، وأما الحرمان من الثواب في المقام فنشأ عن نفس فعل التمندُل، فالتمندُل هو سببُ الحرمان من الثواب، ولذلك صار مكروهاً.

 

وكيف كان فقد ورد في مقابل رواية محمد بن حمران طائفتان أو ثلاث طوائف من الروايات:

 

الطائفة الأولى: تصدَّت لنفي البأس عن التمندُل:

منها: صحيحة محمد بن مسلم: "قال سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن التمسُّح بالمنديل قبل أنْ يجفَّ، قال: لا بأس به"(4).

 

ومنها: صحيحة منصور بن حازم قال: "سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يمسحُ وجهَه بالمنديل قال: لا بأس به"(5).

 

وهذه الطائفةُ وإنْ لم تكن صريحةً في السؤال عن التمندُل لتجفيف بلل الوضوء لكنَّ استبعاد السؤال عن مشروعيَّة مطلق التمندُل بعد استعمال الماء لوضوحه يُورثُ الاطمئنان بأنَّ مورد السؤال هو التمندُل لتجفيف ماء الوضوء، ولذلك لم يقعْ الإشكال من قبل مشهور الفقهاء على هذه الطائفة من الروايات من هذه الجهة، نعم أفاد الكثيرُ منهم بأنَّ هذه الطائفة لا تصلحُ لمعارضةِ رواية محمَّدِ بن حمران، وذلك لأنَّ هذه الطائفة إنَّما تنفي الحرمة عن التمندُل ولكنَّها لا تنفي الكراهة فليس بينها وبين روايةِ ابن حمران أيُّ تنافٍ.

 

إلا أنَّه قد يُقال إنَّ سؤال مثل محمد بن مسلم ومنصور بن حازم ليس عن مشروعيَّة التمندُل بعد الوضوء لوضوح المشروعيَّة لذلك وعدم احتمال توهُّم الحرمة أو الفساد، ولذلك فالمتعيَّن هو أنَّ سؤالَهما عن وجود حزازة ومرجوحيَّة للتمندُل وعدم وجود ذلك، وعليه يكون نفي البأس معناه نفي الحزازة والمرجوحيَّة للتنمدُل، وبذلك تكون هذه الطائفة منافيةً لرواية محمد بن حمران بناءً على ظهورِها في الكراهة.

 

نعم لو ثبت أنَّ بعض العامَّة يذهبون إلى حرمة التمندُل فإنَّ احتمال سؤال مثل محمد بن مسلم عمَّا يقول به هؤلاء يكون وارداً، وبه لا يكون نفي البأس مساوقاً لنفي الكراهة بل يُحتمل أنَّه لنفي الحرمة، فلا تكون هذه الطائفة منافيةً لخبر ابن حمران إلا أنَّ ذلك لم يثبت بل الثابت خلافه.

 

الطائفة الثانية: تصدَّت لبيان صدور التمندُل من المعصوم (ع):

وهي صحيحة منصور بن حازم قال: "رأيتُ أبا عبد الله (عليه السلام) وقد توضَّأَ وهو محرمٌ ثم أخذَ منديلاً فمسحَ به وجهَه"(6).

 

وهذه الصحيحة لا تصلحُ ظاهراً لمعارضة رواية ابن حمران لأنَّها تحكي عن صدورِ فعلٍ للمعصوم (ع) لا يعلمُ منشأه، فلعلَّه نشأ عن رجحان التمندُل أو عدم كراهته، ولعلَّه نشأ عن مرجِّحٍ طاريء وغير مطَّرد أو عذرٍ اقتضى فعل ماهو خلاف الأولى في نفسِه، فالروايةُ صامتةٌ من هذه الجهة، كما أنَّها ليست ظاهرةً في تكرُّر صدور هذا الفعل من المعصوم (ع).

 

الطائفة الثالثة: يظهرُ منها رُجحان وحُسن التمندُل:

منها: موثقة إسماعيل بن الفضل قال: "رأيتُ أبا عبد الله (عليه السلام) توضَّأَ للصلاة ثم مسحَ وجهَه بأسفلِ قميصِه، ثم قال: يا إسماعيل افعل هكذا فإنِّي هكذا أفعل"(7).

 

ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان قال: "سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن التمندُل بعد الوضوء؟ فقال "كان لعليٍّ (عليه السلام) خرقةٌ في المسجد ليس إلا للوجهِ يتمندَّلُ بها"(8).

 

ومنها: معتبرة محمَّد بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "كانتْ لأميرِ المؤمنين (عليه السلام) خرقةٌ يمسحُ بها وجهَه إذا توضَّأ للصلاة ثم يُعلِّقُها على وتَدٍ ولا يمسُّه غيرُه"(9).

 

ومنها: مرسلة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: "كانت لعليٍّ (عليه السلام) خرقةٌ يُعلِّقُها في مسجد بيتِه لوجهِه إذا توضأ تمندَّلَ بها"(10).

 

فهذه الطائفة ظاهرةٌ في رجحان وحُسن التمندل، فموثَّقة اسماعيل بن الفضل اشتملتْ على أمر الإمام (ع) ابنَه بالاقتداء بفعلِه وهو التمندُل بعد الوضوء كما اشتملت على إخبار المعصوم (ع) عن نفسِه بأنَّه يفعل ذلك كلَّما توضأ، فالوقوف على تكرُّر التمندُل من المعصوم (ع) لم ينشأ عن ملاحظة الرواي بل عُلم مِن إخبار المعصوم نفسه.

 

وأمَّا منشأ دلالة صحيحة عبد الله بن سنان على حُسن ورجحان التمندل فهو حكاية الإمام (ع) في مقام الجواب عن سؤال السائل عمَّا كانت عليه سيرة أمير المؤمنين (ع)، فالتمندُل بحسب حكاية الإمام الصادق (ع) لم يكن فعلاً ربما اتَّفق صدورُه عن أمير المؤمين (ع) بل كانت تلك هي سيرتَه كلَّما توضَّأ، وكان قد اتَّخذ لذلك منديلاً خاصَّاً يتمندَّلُ به، وهو ما يقتضي استبعاد أنْ ينشأ ذلك عن مجرَّد اباحة التمندُل وعدم كراهته، فهذه المداومة وهذه العناية الخاصَّة لا تصدر عن مثل أمير المؤمنين (ع) في أمرٍ يتَّصل بفعل عبادي لولا أنَّ هذا الفعل راجحٌ ومحبوبٌ شرعاً. ومع التنزُّل فإنَّ هذه المداومة تكشفُ صريحاً عن عدم مرجوحيَّة التمندُل بعد الوضوء إذ انَّ أمير المؤمنين (ع) لا يداومُ قطعاً على ما هو مرجوحٌ شرعاً فالصحيحةُ إنْ لم تكن ظاهرةً في استحباب التمندُل فهي صريحةٌ في عدم الكراهة، وبذلك تكون منافيةً لرواية ابن حمران.

 

ودعوى صدور جواب الإمام (ع) تقيةً غيرُ مسموعة ولا يمكنُ قبولُها لأنَّ الرواية تحكي سيرةً كانت لأمير المؤمنين (ع) ولو كان الإمام الصادق (ع) في مقام التقية لما اقتضى ذلك أكثرَ من الإجابة بجواز التمندل أو الأمر به، وأمَّا أنْ يُخبِر عن سيرةٍ لأمير المؤمنين (ع) ثم يكون هذا الإخبار على خلافِ الواقع فذلك ما لا تقتضيه التقية وهو ما ينفي دعوى صدور جواب الإمام (ع) تقيةً.

 

فالتمندُل بعد الوضوء الذي كان يستحسنُه -كما قيل- أبو حنيفة أو يأمرُ به لو كان يقتضي من الإمام (ع) التقية فهو لا يقتضي أكثر من الأمر بالتمندُل رعايةً لظروف السائل وحماية له وأمَّا أنْ يُخبره بسيرةٍ لأمير المؤمنين (ع) ليس لها واقع فهذا ما لا يُمكن قبولُه بل ولا توهُّمُه.

 

على أنَّ جواب الإمام (ع) وحكايته لسيرة أمير المؤمنين (ع) لا يتناسب مع مقتضى التقية المدَّعاة، فإنَّ ما عليه أبو حنيفة وبعضُ العامة -كما قيل- هو البناءُ على نجاسة غُسالة الوضوء لذلك فهم يتمندَّلون بعد الوضوء بمنديلٍ ثم يغسلونَه من أثر بلل الوضوء، ولو ثبت ذلك فجوابُ الإمام (ع) وحكايتُه لسيرةِ أمير المؤمنين (ع) يناقضُ أو لا يتلائم مع ما تقتضيه التقية، فهو (ع) قد اتَّخذ منديلاً خاصَّاً يتمندَّلُ به كلَّما توضأ ثم يحتفظُ به في مسجدِ بيته أو في المسجد ليتمندَّلَ به مرَّةً أُخرى دون أنْ يغسلَه من أثر الوضوء السابق وهذا يقتضى عدم البناء على نجاسة غسالة الوضوء.

 

وبما ذكرناه يتبيَّن أنَّ رواياتِ الطائفة الثالثة بل وكذلك الطائفة الأولى على الأرجح مقتضيةٌ لعدم كراهة التمندُل بعد الوضوء وبذلك تكونُ منافيةً لمفاد رواية محمد بن حمران بناءً على ظهورِها في الكراهة، وحيثُ إنَّ روايات نفي الكراهة أصحُّ سنداً بل لا يبعد أنَّها مستفيضة ولم يثبت الإعراض عنها بل إنَّ التصدِّي لتوجيهها يكشفُ عن اعتمادِها لذلك يتعيَّن البناء على ما يقتضيه مفادُها من عدم كراهة التمندُل، وأمَّا رواية ابن حمران فهي ساقطةٌ عن الاعتبار لضعفِ سندها وعدم امكان التثبُّت من انجبارها باستناد مشهور القدماء إليها.

 

والحمد لله ربِّ العالمين

 

الشيخ محمد صنقور


1- الحدائق الناضرة -المحقق البحراني- ج2 / ص413.

2- كفاية الأحكام -المحقق السبزواري- ج1 / ص17.

3- ثواب الأعمال -الشيخ الصدوق- ص17، الكافي -الشيخ الكليني- ج3 / ص70، المحاسن -أحمد بن محمد بن خالد البرقي- ج2 / ص429.

4- تهذيب الأحكام -الشيخ الطوسي- ج1 / ص364.

5- المحاسن -أحمد بن محمد بن خالد البرقي- ج2 / ص429.

6- من لا يحضره الفقيه -الشيخ الصدوق- ج2 / ص354.

7- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج1 / ص474، تهذيب الأحكام -الشيخ الطوسي- ج1 / ص357.

8- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج1 / ص475، المحاسن -أحمد بن محمد بن خالد البرقي- ج2 / ص429.

9- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج1 / ص475.

10- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج1 / ص475,