جعل حقِّ الطَّلاق للرجل (الحلقة الأولى)

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد

 

إنَّ من الثابت فقهيَّاً أنَّ الطلاق بيد الزوج إلا في مواردَ مخصوصة، هذا وقد اعتبر البعضُ ذلك واحداً من المؤشِّرات المعبَّرة عن رؤية الإسلام لواقع المرأة، وأنَّه ينظرُ إليها على أنَّها دون الرجل في الإنسانيَّة، وقد ذهب آخرون إلى أبعدَ من ذلك، حيثُ اعتبروا هذا الحكم مؤشِّرًا على أنَّ الإسلام ينظرُ للمرأة على أنَّها شيءٌ من الأشياء التي تُملك، فكما أنَّ للرجل أن يتخلَّى عن مملوكه متى شاء كذلك هو الحال بالنسبة للزوجة، فإنَّه متى ما أراد أنْ يفكَّ ملكيَّته لها فعل ذلك بما يعبَّر عنه بالطلاق، وللإجابة عن هذه الإشكاليَّة نرى من المناسب تقديم بعض المقدِّمات.

 

الطلاق في المنظور الإسلامي:

المقدِّمة الأولى: ينظرُ الإسلامُ إلى الطلاق على أساس أنَّه علاج لمشكلةٍ لا سبيل لعلاجها غير إيقاع الطلاق. وعندما لا يتَّفق هذا الغرض يكون الطلاق أمراً مقيتاً مبغوضاً بنظر الشريعة، ولذلك جاءت الروايات الكثيرة مؤكِّدة كراهيَّة إيقاع الطلاق تشهيَّاً وعلى أساس التذوُّق والنزوة. وحتى لو كرِهَ الرجلُ زوجته نتيجة بعض الأسباب فإنَّ الشارع المقدَّس يشجِّعه على عدم معالجة ذلك بالطلاق بل عليه أنْ يبحث عن وسائلَ أخرى لإزالة أسباب الكراهيَّة، وأنَّ الكراهية لا تعني بالضرورة حسن الانفصال والفرقة بل لعلَّ في الإبقاء على الزوجيَّة رغم الكراهيَّة خيراً كثيراً كما ورد ذلك في الآية الشريفة :﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾(1)، ولا بأس هنا في نقل بعض الروايات المعبِّرة عن رؤية الإسلام للطلاق.

 

الأولى: عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسولُ الله (ص): "وما مِن شيءٍ أحبُّ إلى الله عزَّ وجلَّ من بيتٍ يعمر بالنكاح، وما مِن شيءٍ أبغضُ إلى الله عزَّ وجلَّ من بيتٍ يخربُ في الإسلام بالفرقة"، يعني الطلاق، ثم قال أبو عبد الله (ع): "إنَّ الله عزَّ وجلَّ وكَّد في الطلاق وكرَّر القولَ فيه مِن بغضِه الفُرقة"(2).

الثانية: عن أبي عبد الله (ع) قال: "إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يُحبُّ البيتَ الذي فيه العرس، ويبغضُ البيتَ الذي فيه الطلاق، وما مِن شيءٍ أبغضُ إلى الله عزَّ وجلَّ من الطلاق"(3).

 

الثالثة: عن أبي عبد الله (ع) قال: "بلغ النبيَّ (ص) أنَّ أبا أيوب يُريد أنْ يُطلِّقَ امرأتَه، فقال رسولُ الله (ص) : إنَّ طلاق أمِّ أيوب لحوبٌ، أي إثم"(4).

الرابعة: عن أبي عبد الله (ع) قال: "وما مِن شيءٍ ممَّا أحلَّه اللهُ أبغضُ إليه من الطلاق، وإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يبغضُ المِطلاق الذوَّاق"(5).

 

الخامسة: قال (ع): "تزوَّجوا ولا تُطلِّقوا فإنَّ الطلاق يهتزُّ منه العرش" وقال: "تزوَّجوا ولا تُطلِّقوا فإنَّ اللهَ لا يُحبُ الذوَّاقين والذوَّاقات"(6).

 

تشريع الطلاق:

المقدِّمة الثانية: أظنُّ أنَّنا لسنا بحاجةٍ إلى شرح مبرِّرات تشريعِ الطلاق، وذلك لوضوح ضرورة تشريعه، إذ قد يتحوَّل بيتُ الزوجيَّة نتيجة ظروفٍ وأسبابٍ مختلفة- إلى جحيمٍ لا يُطاق، فلو كان الطلاقُ ممنوعاً بقوَّة القانون فإنَّ ذلك لن يُنتج السعادة والسكينة والمودَّة، إذ لا يتمُّ ذلك بالقسر بل يقومُ على أساس القناعة والرضا أو التعقُّل وإرادة الصبر. ولا نخطئ عندما نقولُ إنَّ فرض الإبقاء على الزوجيَّة بقوَّة القانون يزيد المشاكل تعقيداً ويحفِّزُ في النفس التمرُّد على الحقوق الزوجيَّة، ويُولِّد في النفس عُقَداً تعودُ بالضرر على بناء الأُسرة بل وبناءِ المجتمع.

 

فتشريعً الطلاق حاجةٌ مشتركة للخروج من علاقةٍ وثيقةٍ حكَمت عليها الظروفُ بالفشل، فلا ضيرَ في أن يتفرَّقا ليبحثَ كلٌّ منهما عن حياة أخرى قد يجدان فيها السكنيةَ والمودَّة، قال تعالى: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ﴾(7)، فقد يكتشفُ الزوج في زوجتِه التي كان ينتظرُ منها الوداعة والأنوثة والرقَّة والحنان والعفَّة والوفاء، قد يكتشف أنَّها ليست كذلك، وأنَّها تنضح خِسَّةً ووقاحةً وكبرياء، وأنَّها تُضمرُ الكيد والفاحشة، وأنَّها ليست مؤهَّلة لأنْ تكون زوجةً وأُمَّاً وراعيةً لأسرة.

 

وقد تكتشفُ الزوجةُ في زوجِها الذي كانت تنتظرُ منه القوَّة والحمايةَ والغيرةَ والوفاءَ والصدق والأمانة، قد تكتشفُ أنَّه ليس كذلك، وأنَّه ليس كما كانت تنتظرمنه حيثُ لم تجد فيه سوى القسوةَ والعنفَ والحماقةَ والسماجةَ والخيانةَ والضِعة، وأنَّه غيرُ مؤهَّلٍ لأنْ يكون زوجاً لها وأباً لأولادها وقيوُّماً على تدبير شؤونها. وعندئذٍ وعندما يتعذَّر الوفاق، هل من المقبول عقلائيَّاً أنْ نُبقي على علاقةٍ لا يزيدُها الزمن إلا انفصاماً، ولا تُضفي عليها الأيام إلا مزيداً من الشقاق.

 

من أجل ذلك نجد المجتمعات الخاضعة لسلطة الكنيسة الكاثوليكيَّة تتَّجه للعلاقات غير المشروعة خشيةَ التورُّط بعلاقة زوجيَّة فاشلة يكون الخروج من جحيمها أمراً متعذِّراً، ونجدُ أيضاً الأزواج والزوجات في هذه المجتمعات يقيمون علاقاتٍ خارج محيط الرباط الزوجي سعياً وراء التخفيف من مرارة ما يجدونَه داخل إطار الرباط القسري والذي يعتبرونه خطيئةً لا كفَّارة لها سوى الموت.

 

وكما تتفشَّى الرذيلةَ في هذه المجتمعات نجدُ العنفَ بأبشع صوره يُمارَس ضد المرأة، وما ذلك إلا للتنفيس عما يعتلجُ في النفس من شعور جامح بالخطيئة والتي أنتجت رباطاً قسرياً مقدَّساً. هذا ما تؤكِّده الدراسات والإحصاءات التي أُجريت في المجتمعات الخاضعة لثقافة الكنيسة الكاثوليكيَّة والتي ترى عدم مشروعيَّة الطلاق مثل إيطاليا وأسبانيا. هذا وقد تعالت الأصوات والمناشدات المطالِبة بإلغاء قانون المنع من الطلاق، والذي أحدث -كما تؤكِّد دراساتُهم- مشكلةً كبرى للشعب الإيطالي.

 

حقيقة الطلاق:

المقدمة الثالثة: حقيقة الطلاق تعبِّر عنه نفسكلمة الطلاق، والتي تعني إخلاء السبيل ورفع القيود والعوائق المانعة من الإنطلاق والحركة. فالزواج لما كان وثاقاً وميثاقاً بين طرفين عن محض اختيارٍ منهما فإنَّ الطلاق يكون فكَّاً لذلك الوثاق وتخليَّاً عن ذلك الميثاق. ومن غير المعقول أنْ يكون الزواج ميثاقًا كما يُعبِّر عنه القرآن الكريم ثم يكون الطلاق فكَّاً لمملوك عن ملكيَّة صاحبه -وهو الرجل- كما يدَّعي البعض، وذلك لأنَّ الزواج لمَّا كان ميثاقاً غليظاً فإنَّ معنى ذلك أنَّه تمَّ بين طرفين متكافئين في العقل والاختيار والمصلحة، وعندئذٍ يكون معنى الطلاق هو فكَّ ذلك الميثاق وارتفاعَ تبعاته وآثاره عن كلٍّ من الطرفين، وأين ذلك من فكِّ الملكيَّة، والتي تنشأ عن غير اختيارٍ للملوك إمَّا لعدم قابليَّته للاختيار أو لعدم أهليَّته للاختيار، فالمملوك ليس طرفاً في مقابل المالك وإنَّما هو شيءٌ في حوزة آخر ثم انتقل إلى حوزتِه أو لم يكن في حوزة أحد فوقع في يدِه فملَكه واختصَّ به. هذا وقد عبَّر القرآنُ الكريم عن الطلاق بالتسريح(8)، والمرادُ من التسريح هو فكُّ القيود ليتسنَّى للمقيَّد بعد فكِّ قيوده الانطلاق والسير السهل اليسير، وكأنَّ ذلك يستبطنُ معنىً هو أنَّ الزواج إذا أصبح عِبئاً ثقيلاً على الرجل أو المرأة فإنَّ علاج ذلك يكون بالطلاق، والذي هو التسريح المُفضي لانتفاء العوائقِ التي كان من المنتظر منها أن تكون سبباً للسكينة والمودَّة.

 

ومن هنا أمرَ الإسلامُ أن يكون التسريحُ جميلاً وبالمعروف والإحسان، وذلك يُعبَّر عن أنَّ الطلاق لوحظ فيه بالدرجة الأولى المرأة، إذ أنَّ قيود الزواج والتزاماته بالنسبة للمرأة أكثر منه للرجل، إذ أنَّ للرجل أن يتزوَّج بأخرى وإنْ كانت الأولى بعهدته، وأمَّا المرأة فلا يتسنَّى لها ذلك طبعًا وتشريعاً. فالطلاقُ بالنسبة لها -عندما يكون الزواج عبئاً- تسريحٌ و تيسير، إذ لعلَّها تجدُ مَن تكون معه أكثر انسجاماً وملائمة، وحتى لو كان الزوج هو الزاهد في الزوجة فإنَّ الطلاق يكون صلاحاً لها إذا تعذَّر تطويعه، إذ ما مِن شيءٍ أكثرُ عبئاً من علاقةٍ يكون أحد طرفيها زاهداً في الآخر وعاجزاً عن التعاطي معه بالمعروف. فالتسريحُ الجميل وبالمعروف والإحسان هو الذي لا يكون لغرض الإيذاء والإساءة.

 

حقوق المطلَّقة:

المقدمة الرابعة: ثمّة حقوق للمطلقة فرضتها الشريعة على الرجل المطلِّق، والتعرُّف عليها يُساهم في تفنيد الدعوى التي يروِّجُ لها البعض، وهي أنَّ الإسلام يعتبر الزوجة واحداً من المتاع الذي يملكُه الزوج، بدليل أنَّ له التخلِّي عن زوجته متى شاء، كما أنَّ له التخلِّي عن ممتلكاته متى شاء. فلأنَّ التعرُّف على حقوق المطلَّقة يُساهم في تفنيد هذه الدعوى رأينا من المناسب استعراض هذه الحقوق.

 

الأول: استحقاق المطلَّقة للنفقة ما دامت في العدَّة إذا كانت عدَّتُها رجعيَّة، وهذا الحقُّ لم يختلف في ثبوته أحدٌ من الفقهاء رضوان الله عليهم.

الثاني: توفير السكن لها حتى تنتهي عدَّتُها، لو كان طلاقُها رجعيَّاً، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ..﴾(9).

 

الثالث: النفقة والسكن يثبتان للمطلَّقة الحامل أيضاً غايته أنَّ المطلقة الحامل تمتدُّ عدَّتُها بامتداد حملها، وتارة يكون طلاقها رجعيَّاً وأخرى يكون بائناً، وفي كلا الحالتين تجبُ لها النفقة والسكن إلا أنَّه بالنسبة لذات العدَّة الرجعيَّة يثبت لها حقُّ النفقة والسكن باعتبار أنَّها في حكم الزوجة، وأمَّا الحامل المطلقة طلاقاً بائناً فيثبتُ لها حقُّ النفقة والسكن باعتبار حملها. قال تعالى: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ..﴾(10)، ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾(11).

 

الرابع: الأمُّ المطلقة أحقُّ بإرضاع ولدها من غيرها، كما أنَّها تستحقُّ أجرة رضاعة الولد على أبيه إلا أنْ تُطالب بأجرةٍ تفوقُ الأجرة المتعارفة، فإنَّ للأب عندئذٍ أنْ يسترضع لولده غيرَها، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾(12).

 

الخامس: استحقاقُها لحضانة أولادها إذا كانوا دون السنتين على أنْ تكون نفقتُهم على أبيهم، كما أنَّها تستحقُّ أجرة الحضانة إن لم تكن متبرِّعة، وإذا كانت أعمارُهم فوق السنتين فإن كنَّ إناثاً فهي أحقُّ بحضانتِهن إلى أنْ يبلغن سبع سنين كما هو مذهب المشهور، وأما إذا كانوا ذكوراً فالمشهور هو أنَّ الأب أحق بحضانتهم. كلُّ ذلك إذا لم تتزوَّج وإلا فإنْ تزوَّجت فإنَّ استحقاقها للحضانة يسقط.

 

والحمد لله رب العالمين

 

من مقالات حول حقوق المرأة

للشيخ محمد صنقور


1- سورة النساء / 19.

2- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج 22 ص 7.

3- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج 22 ص 7-8.

4- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج 22 ص 8.

5- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج 22 ص 8.

6- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج 22 ص 8-9.

7- سورة النساء / 130.

8- قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، البقرة: 229.

9- سورة الطلاق / 1.

10- سورة الطلاق / 4.

11- سورة الطلاق / 6.

12- سورة الطلاق / 6.