اختلاف الرواية بالزيادة والنقيصة

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

 

المسألة:

إذا وردت روايةٌ واحدة عن راوٍ واحدٍ بطريقين أحدهما مثلًا في التهذيب والآخر في الكافي، واشتملت الرواية في أحد الطريقين على زيادة لم تشتمل عليها نفس الرواية في الطريق الآخر، فهل هناك قاعدة ترجِّح الزيادة على النقيصة أو العكس؟ أي أنَّه بماذا نعمل عند تعدُّد الطرق واختلاف الرواية الواحدة بالزيادة والنقيصة؟

 

الجواب:

إذا وردت روايةٌ واحدة بطريقين واشتملت الرواية في أحد الطريقين على زيادةٍ لم تشتمل عليها في الطريق الآخر فإنْ كان أحدُ الطريقين معتبرًا والآخر غيرَ معتبرٍ كانت الحجيَّة للرواية ذات الطريق المُعتبر سواءً كانت هي المشتملة على الزيادة أو كانت الزيادة في الرواية من الطريق الآخر، فالروايةُ الفاقدة للاعتبار لضعف طريقها ساقطةٌ عن الحجيَّة في نفسها بقطع النظر عن تطابقها أو اختلافها مع الرواية المعتبرة.

 

أمَّا إذا كان كلا طريقي الرواية معتبرًا فإنْ كانت الزيادة والنقيصة غير مؤثِّرة في اتِّحاد المعنى والمؤدَّى فلا بحث في مثل هذا الفرض، وأمَّا إذا كانت الزيادة تُضيفُ إلى الرواية معنىً مفقودًا في متن الرواية من الطريق الآخر فإنْ كان هذا المعنى الذي أضافته الزيادة لا يُوجب تنافيًا بين مؤدَّى الرواية من الطريقين ففي مثل هذا الفرض يتعيَّن ترجيح الزيادة لأنَّها واجدة للحجيَّة في نفسها بحسب الفرض نظرًا لصحَّة طريقِها والمفترض أنَّ النقيصة في الطريق الآخر لا تُنافي الزيادة ولا تنفيها، فالرواية الناقصة لا تقول إنَّ هذا هو كلُّ ما قاله الإمام (ع) حتى يقعَ التكاذب بين الطريقين بل غايةُ ما تقولُه الرواية الناقصة إنَّ هذا قاله الإمام (ع) فيبقى احتمال أنَّه قال شيئًا آخر أيضًا، وحيث إنَّ الرواية الزائدة قد تصدَّت للقول إنَّ الإمام قال شيئا آخر فيتعيَّن قبولُه بعد افتراض صدق الراوي وصحَّة الطريق إليه، فالرواي قد ينقلُ بعضَ الخبر ثم ينقلُه بتمامِه لآخر، ولهذا يتعيَّن الأخذ بالزيادة في الفرض المذكور.

 

وأمَّا لو كان الاختلافُ بالزيادة والنقيصة موجبًا لوقوع التنافي والتضاد بحيثُ يكون مؤدَّى الرواية بناءً على الزيادة يقتضي معنىً مضادًا لمؤدَّى الرواية بناءً على النقيصة ففي مثل هذا الفرض تسقطُ الرواية بكلا طريقيها عن الحجيَّة، وذلك لوقوع التكاذب بين الطريقين، فلو كان نصُّ الرواية من الطريق الأول هو "أنَّ لحم الأرنب غيرُ حرام" وكان نصُّها من الطريق الآخر: "أنَّ لحم الأرنب حرام" فنصُّ الرواية من الطريقين متَّحد إلا من جهة زيادة كلمة "غير" فالنصُّ من الطريق الأول واجدٌ لهذه الزيادة ومن الطريق الثاني فاقدٌ لهذه الزيادة لكنَّ هذه الزيادة والنقيصة موجبتان لتبايُن مؤدَّى نصِّ الرواية بحيث إنَّ كلًا من الطريقين يكذِّب الآخر، فالطريقُ الأوَّل الذي يروي عن زرارة مثلًا يقول إنَّ زرارة أخبر عن الإمام (ع) أنَّه قال إنَّ لحم الأرنب غيرُ حرامٍ، ولازمُ ذلك أنَّ هذا الطريق يقولُ أن زرارة لم يُخبر عن الإمام(ع) أنَّه قال بحرمة لحم الأرنب، والطريقُ الآخر يقول إنَّ زرارة أخبر عن الإمام(ع) أنَّه قال إنَّ لحم الأرنب حرام، ولازم ذلك أنَّه يُخبر عن زرارة أنَّه لم يخبر عن الإمام (ع) أنَّه قال بعدم حرمة لحم الأرنب، فالطريقُ الأول يُكذِّب الطريق الثاني، والثاني يُكذِّب الأول، لأنَّ المفترض أنَّ الرواية واحدة وتحكي عن واقعةٍ وقولٍ واحد للإمام (ع)، فإما أنَّ يكون قد قال بالحرمة أو قال بعدمها، فلا محيص من البناء على سقوط الرواية عن الحجيَّة لوقوع التكاذب بين طريقيها ولا يمكن جعل الحجيَّة للمتكاذبين، ولذلك يسقطان معًا عن الحجيَّة، إذ أنَّ ترجيح أحد الطريقين على الآخر بلا مسوِّغ بعد افتراض أنَّ كلًا منهما معتبرٌ في نفسه لولا التعارض والتكاذب.

 

ولا يصحٌّ الرجوع لمرجِّحات باب التعارض في الفرض المذكور لأنَّ مرجِّحات باب التعارض مختصةٌ بموارد التعارض بين الخبرين وفرض المسألة هو اتِّحاد الخبر وتعدُّد الطريق إليه.

 

هذا كلُّه لو لم تقم قرينة تُوجب الاطمئنانَ باشتباه أحد الطريقين بعينِه فيما نقلَه من زيادةٍ أونقيصة وإلا فالمتعيَّن هو سقوط ما ثبت اشتباهه في النقل عن الحجيَّة، وبذلك تستقرُّ الحجيَّة للطريق الآخر، وذلك لأنَّ المانع من حجِّيته هو منافاته للطريق الآخر وإلا فهو معتبرٌ في نفسه، فإذا سقط المنافي له عن الحجيَّة للاطمئنان بخطئه لم يبقَ ما يمنع من اعتماده.

 

وهل يكفي الظنُّ باشتباه أحد الطريقين بعينه لترجيح الآخر؟

الظاهر أنَّ مجرَّد الظنِّ في اشتباه أحد الطريقين بعينِه لا يكفي لترجيح الآخر، وذلك لأنَّ المفترض أنَّ كلا الطريقين معتبرٌ في نفسه أي واجد لشرائط الحجية قي نفسه لولا المعارضة، ومن الواضح أنَّ الطريق الواجد لشرائط الحجيَّة لا يسقط عن الحجيَّة لمجرَّد الظنِّ بوقوع الاشتباه منه، فإنَّ خبر الصادق لا يُعتبر في ثبوت الحجيَّة له عدم الظنِّ بالاشتباه، وعليه يظلُّ صالحًا لمعارضة الطريق الأخر، ومع تعارضهما يسقطان معًا عن الحجيَّة كما ذكرنا وذلك لوقوع التكاذب بينهما أو قل للعلم الاِجمالي بكذب أحدهما لا بعينه.

 

ولا أقل من الشكِّ في أنَّ الطريق الآخر بعد الظنِّ باشتباه الطريق الأول هل تثبت له الحجيَّة أو لا، وهذا الشك كافٍ في سقوطه عن الحجيَّة، لأنَّ الشك في الحجيَّة يُساوق القطع بعدم الحجيَّة كما هو ثابتٌ في محلِّه.

 

وبتعبيرٍ آخر: إنَّ المعلوم هو أنَّ الشارع قد جعل الحجيَّة للطريق الصحيح المُعتبر إذا لم يُعارضه طريقٌ آخر مثله في الصحَّة، وأمَّا إذا عارضه طريقٌ آخر مثله في الصحَّة فإنَّ كلا الطريقين يسقطان عن الحجيَّة، وهل يسقطان معًا حتى مع الظنِّ باشتباه أحدهما بعينه أو أنَّ الذي يسقط عن الحجيَّة في هذا الفرض هو خصوص المظنون باشتباهه؟ نشكُّ في ذلك أي نشك في أنَّ الشارع قد جعل أو أقرَّ الحجيَّة للطريق الآخر الذي يُقابله طريقٌ مظنون الاشتباه، ومع الشك في جعل الحجيَّة للطريق الآخر في هذا الفرض تكون النتيجة هي البناء على عدم الحجيَّة لأنَّ الشك في الحجيِّة يُساوق عدمها.

 

والحمد لله ربِّ العالمين

 

الشيخ محمد صنقور