تنقيح المناط

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

 

التنقيح هو التنقية والتهذيب والتمييز، ويُقال نقّحتُ الشيء، أي خلّصتُه من الشوائب، ونقّحتُ الحنطة، أي خلَّصت جيَّدَها من رديئها.

 

والمناطُ اسمٌ لموضع التعليق، فيقال ناطه نوطاً، أي علّقه، ونياط القربة عروتها، وشجرة ذات أنواط أي ذات أغصان يمكن ان تعلّق عليها الثياب والسيوف بواسطة حمائلها.

 

ولهذا يُطلق لفظُ المناط ويُراد منه العلَّة، وذلك لإناطة الشارع الحكم بها، وعليه يكونُ معنى تنقيح المناط هو تمييز علَّة الحكم عن سائر الاوصاف والحيثيّات المذكورة في الخطاب، ومع تميّزها تكونُ النتيجة هي إمكان الاستفادة من العلّة لإثبات نفس الحكم لموضوعاتٍ أخرى غير الموضوع المنصوصِ عليه في الخطاب، بمعنى إمكان تعديةِ الحكم من موردِ النصِّ الذي اكتنف بمجموعة من الأوصاف والحيثيّات الى موارد أخرى ليست واجدةً لتلك الأوصاف والحيثيّات ما عدى العلَّة المنقَّحة.

 

ومن هنا قالوا إنّ تنقيحَ المناط يتقوّم بعمليتين يُعالِجُ بهما المجتهد النصَّ: العمليّة الأولى هي الحذف، أي حذف الأوصاف والحيثيّات غير الدخيلة في ثبوت الحكم لموضوعه، والعمليّة الثانية هي التعيين، وهي تعني السعي للوقوف على علَّة ثبوت الحكم لموضوعه من نفس النصِّ.

 

وعُرِّف تنقيحُ المناط بتعريفٍ آخر لا يبتعد كثيراً عن التعريف الأول وهو «إرجاع الفرع الى الأصل» ويحتمل معنيين ولعلَّهما جميعاً مرادان:

 

الاحتمال الأول: أنْ يكون المراد من الإرجاع هو التعيين الذي ذُكر في التعريف الأول، والذي يعني تمييز العلَّة -التي ترتَّب عليها ثبوت الفرع- عن سائر الأوصاف المذكورة في الخطاب، فالإرجاع يعني تحديد المرجع الذي نشأ عنه ثبوت الحكم لموضوعِه المنصوص.

 

الاحتمال الثاني: أنَّ المراد من الإرجاع هو إرجاع فروع أخرى غيرِ منصوصة للعلَّة المنصوصة في الخطاب، بمعنى التعرّف على حكم فروع أخرى بواسطة العلّة المنصوصةِ في الخطاب.

 

وباتّضاح المراد من تنقيح المناط نقول: إنَّ تنقيح المناط تارةً يكون قطعياً وأخرى يكونُ ظنيّاً، ولا إشكال في عدم جواز ترتيب الأثر الشرعي على تنقيح المناط الظنِّي، وذلك لعدم قيام الدليل القطعيِّ على حجيَّته، فيكون مشمولاً لأدلَّة المنع عن العمل بالظنّ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡ‍ًٔا﴾[يونس: 36]. وأمّا تنقيح المناط القطعي فهو حجَّةٌ لحجيَّة القطع بلا إشكال، نعم الإشكال في تحديد صغريات تنقيح المناط القطعي.

 

ولكي يتّضح المراد من تنقيح المناط أكثر نذكرُ هذا المثال:

 

لو ورد دليل بهذا اللَّسان «سألتُ الامام (عليه ‌السلام) عن الدم يسقط في هذا العصير من الرمان فيقول الامام (عليه‌ السلام): لا تشربه» فإنّ من المقطوع به أنَّ العلّة من ثبوت الحرمة لعصير الرمان هو سقوط الدم فيه، واحتمال أن تكون الحرمة مسبَّبة عن سقوط الدم بالإضافة الى كونه عصير رمان منفيٌّ قطعاً، كما أنّ احتمال أنْ يكون لشخصِ العصير المسئول عنه خصوصيَّةٌ اقتضت ثبوت الحرمة منفيٌّ أيضاً، كما أنّ احتمال أنّ لاتِّخاذ ماء الرمّان من العصر خصوصيّة منفيٌّ كذلك، وبهذا يتنقَّح أنْ لا علّة لثبوت الحرمة سوى سقوط الدم في العصير.

 

ومن هنا يمكن الاستفادة من العلّة المنقّحة لإثبات الحرمة لفردٍ آخر من عصير الرمان، وذلك لانتفاء الاحتمال الثاني، كما يمكن الاستفادة من العلَّة لإثبات الحرمة لمطلق ما يُعتصر من الاجسام حين سقوط الدم فيه، وذلك لانتفاء الاحتمال الاول، كما يُمكن تعدية الحرمة لمطلق الماء المضاف حتى وإنْ كانت الإضافة بسبب الامتزاج لا الاعتصار، وذلك لانتفاء الاحتمال الثالث.

 

وتلاحظون أنَّنا مارسنا هنا عمليتين: الأولى هي التعيين، حيث عيَّنا بعد ملاحظة الدليل العلَّة الموجبة لثبوت الحكم لموضوعه، والعمليّة الثانية هي الحذف، أي حذف الأوصاف والحيثيّات المكتنفة بموضوع الحكم المذكور في الخطاب، فحذفنا خصوصيّة الفرد المسئول عنه، كما حذفنا خصوصيّة الرمان، وحذفنا أيضاً خصوصيّة الاعتصار، وليكن هذا من تنقيح المناط القطعي.

 

وأمَّا تنقيح المناط الظنّي فهو أن نقول: إنّ العلَّة من ثبوت الحرمة لعصير الرمان هو سقوط النجاسة، فنلغي خصوصيّة الدم ونفترض العلَّة هي مطلق النجاسة، كما نُلغي خصوصيّة العصير ونجعل الموضوع مطلق السائل الشامل للماء المطلق. وليكن هذا من تنقيح المناط الظنّي، والذي قلنا بعدم حجيّته.

 

والحمد لله ربِّ العالمين

 

مقتبس من المعجم الأصولي

للشيخ محمد صنقور