إتباع صيغة الخُلع بصيغة الطلاق

 

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

 

المسألة:

هل يُعتبر في صيغة الخُلع إتباعه بصيغة الطلاق أو يكفي أنْ يُقتصر على صيغة الخلع كأنْ يقول: خلعتُك على كذا أو فلانة مختلعة على كذا؟

 

الجواب:

المشهور بين فقهاء الإماميَّة شهرة عظيمة -كما أفاد صاحب الجواهر(1)- هو كفاية الاقتصار على صيغة الخُلع دون الحاجة إلى إتباعه بصيغة الطلاق إلا أنَّه في مقابل قول المشهور ذهب عددٌ من الفقهاء إلى اعتبار إلحاق صيغة الطلاق بصيغة الخلع وأنَّه لا يقع الخُلع ما لم يتم إلحاقه بصيغة الطلاق، نُسب ذلك للشيخ الطوسي وابن إدريس وابن البراج كما أفاد صاحب الحدائق (رحمه الله)(2).

 

مستند المشهور:

أمَّا مستند المشهور فرواياتٌ عديدة وُصفت بالمستفيضة(3):

منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "عدَّةُ المختلعة عدَّةُ المطلَّقة، وخُلعُها طلاقُها وهي تجزي من غير أنْ يسمِّي طلاقا .."(4).

 

أقول: الرواية ظاهرةٌ في كفاية صيغة الخُلع، وأنَّ الخلع منزَّل منزلة الطلاق في تحقق الفرقة وأنَّه لا حاجة في فرض الخلع إلى تسمية الطلاق. 

 

ومنها: صحيحة سليمان بن خالد قال: قلتُ أرأيتََ إنْ هو طلَّقها بعد ما خلعها أيجوزُ عليها؟ قال: ولِمَ يُطلِّقها وقد كفاه الخُلع ! ولو كان الامرُ إلينا لم نُجِز طلاقا"(5).

 

أقول: وهذه الرواية أشدُّ ظهوراً من الأولى بل هي صريحة في كفاية الخلع وأنَّه لا معنى للطلاق بعد إيقاع الخُلع، والرواية مشعِرة بأنَّ بعضَ العامَّة أو قضاتهم يُلحِقون بالخلع الطلاق وأنَّ ذلك غير مرضيٍّ عند أهل البيت(ع) وأنَّه لو كان الأمر إليهم لم يجيزوا ذلك، ولو تمَّ استظهار ذلك من الرواية لكانت قرينة على نفي ما أفاده الشيخ من أنَّ الروايات الدالة على كفاية صيغة الخلع صادرة تقية فإنَّ لحن الصحيحة يدلُّ على خلاف ذلك كما أفاد صاحب الحدائق(6).

 

ومنها: صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألتُ أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن المرأة تباري زوجها أو تختلع منه بشهادة شاهدين على طُهرٍ من غير جماعٍ هل تبينُ منه بذلك؟ أو هي امرأتُه ما لم يُتبعْها بطلاق؟ فقال: تبينُ منه وإنْ شاءت أنْ يردَّ إليها ما أخذَ منها وتكون امرأتُه فعَلتْ، فقلتُ: إنَّه قد روي لنا أنَّها لا تبينُ منه حتى يُتبعَها بطلاق قال: ليس ذلك إذن خلعاً فقلت: تبينُ منه؟ قال: نعم"(7).

 

وأوردها الكليني -مع اختلاف يسير- بسندٍ صحيح عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا (ع) عَنِ الْمَرْأَةِ تُبَارِئُ زَوْجَهَا أَوْ تَخْتَلِعُ مِنْه بِشَاهِدَيْنِ عَلَى طُهْرٍ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ هَلْ تَبِينُ مِنْه فَقَالَ: إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْتَ فَنَعَمْ قَالَ قُلْتُ: قَدْ رُوِيَ لَنَا أَنَّهَا لَا تَبِينُ مِنْه حَتَّى يَتْبَعَهَا الطَّلَاقُ قَالَ: فَلَيْسَ ذَلِكَ إِذاً خُلْعاً فَقُلْتُ: تَبِينُ مِنْه قَالَ نَعَمْ"(8).

 

أقول: الرواية ظاهرة في كفاية الخلع وأنَّ البينونة تقعُ به دون الحاجة إلى إتباعه بالطلاق، وأنَّ ما روي خلافاً لذلك لا يصح. أو أنَّ الإمام (ع) أراد من قوله: ليس ذلك إذن خلعاً" أنَّه مع البناء على لزوم الإلحاق لا يكون فرقاً بين الخلع والطلاق أو أنَّه لا يكون خلعاً بل هو طلاق أو أنَّ الإمام (ع) أراد القول أنَّهما إذا خلعا فلا حاجة إلى الإلحاق، فتكون الجملة شرطية "وخلعا" فعلٌ ماضٍ هكذا كما في بعض النسخ "ليس ذلك إذا خلعا" فمفاد هذه الفقرة بناءً على هذه النسخة أنَّه لا حاجة إلى الإلحاق إذا خلعا يعني إذا تخالعا، وعلى أي تقدير فالرواية تدلُّ على عدم اعتبار الإلحاق بالطلاق في فرض الخلع، وأنَّ الزوجة تبين منه بمجرَّد إيقاع الخلع.

 

ومنها: صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: الْمُخْتَلِعَةُ الَّتِي تَقُولُ لِزَوْجِهَا اخْلَعْنِي وأَنَا أُعْطِيكَ مَا أَخَذْتُ مِنْكَ فَقَالَ: لَا يَحِلُّ لَه أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئاً حَتَّى تَقُولَ: واللَّه لَا أُبِرُّ لَكَ قَسَماً ولَا أُطِيعُ لَكَ أَمْراً ولآَذَنَنَّ فِي بَيْتِكَ بِغَيْرِ إِذْنِكَ ولأُوطِئَنَّ فِرَاشَكَ غَيْرَكَ فَإِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَهَا حَلَّ لَه مَا أَخَذَ مِنْهَا وكَانَتْ تَطْلِيقَةً بِغَيْرِ طَلَاقٍ يَتْبَعُهَا فَكَانَتْ بَائِناً بِذَلِكَ وكَانَ خَاطِباً مِنَ الْخُطَّاب"(9).

 

أقول: هذه الرواية ظاهرة أيضاً في كفاية الخلع وعدم الحاجة إلى إلحاقه بالطلاق، إذ أنَّ ذلك هو المستظهَر من قوله (ع): "وكَانَتْ تَطْلِيقَةً بِغَيْرِ طَلَاقٍ يَتْبَعُهَا" يعني أنَّ مخالعتها تكون بمنزلة التطليقة الموجبة للفرقة من غير حاجة إلى إتباع المخالعة بتطليقة فإنَّ المخالعة بمنزلة التطليقة في إيجاب البينونة والفرقة.

 

مستتندُ القول باعتبار إتباع صيغة الخُلع بالطلاق:

وأمَّا القول باعتبار إتباع صيغة الخُلع بصيغة الطلاق فيتمحَّض مسنده بمعتبرة موسى بن بكر عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: المختلعة يُتبعها الطلاق ما دامت في عدَّتِها"(10).

 

وأورد الكليني الرواية بسنده عن مُوسَى بْنِ بَكْرٍ عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ (ع) قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ (ع) الْمُخْتَلِعَةُ يَتْبَعُهَا الطَّلَاقُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ"(11).

 

إلا أنَّ الظاهر هو عدم صلاحية معتبرة موسى بن بكر لمعارضة الروايات التي استند لها المشهور، وذلك لعدم ظهورها في أنَّه يتعيَّن إرداف صيغة الطلاق بصيغة الخلع دون فصل كما هو المدَّعى، فأقصى ما يُمكن استظهارُه من الرواية هو تعيُّن إتباع صيغة الخلع بالطلاق أمَّا أنْ يكون الإتباع دون فصل فلا تدلُّ الرواية عليه بل هي ظاهرة في صحَّة الإتباع ما دامت في العدَّة، ومقتضى ذلك صحة الفصل بين الصيغتين شهراً أو شهرين أو ثلاثة، وهذا ما لا يلتزم به أحد من الفقهاء، فالمعنى المستظهَر من الرواية مُعرَضٌ عنه لدى الجميع، لذلك فهي ساقطة عن الحجيَّة في نفسها، فلا تصلحُّ لمعارضة الطائفة الأولى الدالَّة على عدم اعتبار إتباع صيغة الخلع بصيغة الطلاق، لأنَّه من تعارض الحجَّة مع اللاحجَّة، ولهذا لا يصحُّ ما أفاده بعضُ الأعلام(12) من تعيُّن تقديم معتبرة موسى بن بكر نظراً لمخالفتها للتقية وموافقة الطائفة الأولى للتقية، فإنَّ الترجيح الجهتي بالتقية فرعُ تكافؤ الطائفتين في الحجيَّة لولا التعارض، والمقام ليس من هذا القبيل، فإنَّ معتبرة موسى بن بكر فاقدةٌ لشرط الحجيَّة في نفسها بقطع النظر عن التعارض.

 

على أنَّ الرواية لا تخلو من اضطراب، بناءً على الفهم المذكور، فإنَّ مقتضى قوله: "ما دامت في العدَّة" هو أنَّ الفرقة والبينونة قد وقعت بمجرَّد الإيقاع لصيغة الخلع، إذ لا معنى للاعتداد لولا أنَّ صيغة الخلع المجرَّدة قد أوجبت الفرقة، لذلك فمن المحتمل قوياً أنَّها بصدد بيان جواز إيقاع الطلاق بالمختلعة قبل انقضاء العدَّة لو رجعت في البذل، فتكون الرواية أجنبيَّة عن محلِّ البحث.

 

وخلاصة القول: إنَّ الرواية إنْ لم تكن ظاهرة في أنَّها بصدد بيان جواز إيقاع الطلاق بالمختلعة قبل انقضاء العدَّة لو رجعت في البذل فهي ليست ظاهرة في تعيُّن إرداف صيغة الطلاق بصيغة الخلع دون فصل كما هو المدَّعى نعم هي ظاهرة بناءً على الفهم الثاني في أنَّ يتعيَّن الإتباع بصيغة الطلاق ما دامت في العدَّة وهذا ما لا يلتزم به أحد.

 

والحمد لله ربِّ العالمين

 

الشيخ محمد صنقور

28 / جمادى الآخرة / 1444ه

21 / يناير / 2023م

-------------------------------

1-جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج33 / ص6.

2- الحدائق الناضرة -الشيخ يوسف البحراني- ج 25 / ص560، جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج33 / ص6

3- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج33 / ص4.

4- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج3 / ص523، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج 22 / ص285.

5- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج8 / ص99، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج22 / ص286.

6- الحدائق الناضرة -الشيخ يوسف البحراني- ج25 / ص560.

7- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج8 / ص99، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج22 / ص286.

8-الكافي -الكليني- ج6 / ص143، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج22 / ص286.

9- الكافي -الكليني- ج6 / ص140، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج22 / ص284.

10- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج8 / ص97، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج22 / ص285.

11- الكافي -الكليني- ج6 / ص141، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج22 / ص284.

12- الحدائق الناضرة -الشيخ يوسف البحراني- ج 25 / ص560.