حليَّة ذبيحة المرأة والصبي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

 

المسألة:

هل تحلُّ ذبيحة المرأة وكذلك الصبي؟

 

الجواب:

الظاهر أنَّه لم يقع خلافٌ(1) في حليَّة ذبيحة المرأة وكذلك الصبيِّ المميِّز، وأفاد صاحبُ الجواهر (رحمه الله) أنَّه يُمكن تحصيل الإجماع على ذلك(2).

 

ويدلُّ عليه مضافاً إلى الإطلاقات كقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾(3) والذي يصدق على تذكية المرأة كما يصدقُ على تذكية الرجل، فإنَّ الخطاب في الآية موجَّه لهما على حدِّ سواء، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يدلُّ عليه مضافاً لذلك رواياتُ كثيرة عن أهل البيت (ع) تبلغ ظاهراً حدَّ الاستفاضة أو تفوق:

 

منها: صحيحة الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: كَانَتْ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (ع) جَارِيَةٌ تَذْبَحُ لَه إِذَا أَرَادَ"(4).

 

ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام أنَّ عليَّ بن الحسين عليه السلام كانت له جاريةٌ تذبحُ له إذا أراد"(5).

 

ومنها: معتبرة مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّه (ع) عَنْ ذَبِيحَةِ الْغُلَامِ؟ قَالَ: إِذَا قَوِيَ عَلَى الذَّبْحِ، وكَانَ يُحْسِنُ أَنْ يَذْبَحَ، وذَكَرَ اسْمَ اللَّه عَلَيْهَا فَكُلْ، قَالَ: وسُئِلَ عَنْ ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ؟ فَقَالَ: إِذَا كَانَتْ مُسْلِمَةً فَذَكَرَتِ اسْمَ اللَّه عَلَيْهَا فَكُلْ"(6).

 

أقول: قوله (ع): "إذا قَوِيَ عَلَى الذَّبْحِ" ليس شرطاً زائداً على ما يُعتبر في تذكية الرجل وإنَّما هو لبيان أنَّ الصبيَّ لضعفه قد لا يقوى على إيجاد شرائط التذكية كالاستقبال بالذبيحة أو فري الأوداج، وكذلك فإنَّ قوله (ع): "وكَانَ يُحْسِنُ أَنْ يَذْبَحَ وذَكَرَ اسْمَ اللَّه عَلَيْهَا" ليس قيداً زائدا على ما يعتبر في تذكية الرجل .وهكذا فإنَّ قوله (ع) في ذبيحة المرأة: "إِذَا كَانَتْ مُسْلِمَةً فَذَكَرَتِ اسْمَ اللَّه عَلَيْهَا فَكُلْ" ليس شرطاً زئداً على ما يُعتبر في تذكية الرجل من لزوم كونه مسلماً وأن يذكر اسم الله تعالى عليها.

 

ومنها: صحيحة عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ رَوَوْه عَنْهُمَا جَمِيعاً (ع) أَنَّ ذَبِيحَةَ الْمَرْأَةِ إِذَا أَجَادَتِ الذَّبْحَ وسَمَّتْ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِه وكَذَلِكَ الأَعْمَى إِذَا سُدِّدَ" ورواه الصدوق باسناده عن عمر بن أذينة عن رهطٍ رووه عنهما (عليهما السلام) جميعاً مثله(7).

 

فلا يعتبر بمقتضى إطلاق الرواية في تذكية المرأة أكثر ممَّا يُعتبر في تذكية الرجل.

 

ومنها: معتبرة أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّه قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه(ع): إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ خَمْسَةَ أَشْبَارٍ أُكِلَتْ ذَبِيحَتُه"(8).

 

أقول: قوله (ع): "إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ خَمْسَةَ أَشْبَارٍ" ليس شرطاً زائدا على التمييز بل هو بيان لما يتحقَّق به التمييز غالباً، ولهذا لو كان قد بلغ طوله خمسة أشبار لكنَّه اتَّفق أنَّه لم يكن مميزاً فإنَّه لا يصحُّ منه، ولو اتَّفق أنَّه كان دون الخمسة أشبار ولكنَّه كان مميزاً ويقوى على الذبح فإنَّه لا إشكال في صحَّة تذكيته.

 

مناقشة ما دلَّ على اشتراط الضرورة:

وفي مقابل هذه الروايات وشبهها ثمة رواياتٌ قد يُستظهر منها عدم حليَّة ذبيحة المرأة والصبي إلا في فرض الضرورة:

 

منها: مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) عَنْ ذَبِيحَةِ الصَّبِيِّ؟ فَقَالَ: إِذَا تَحَرَّكَ وكَانَ لَه خَمْسَةُ أَشْبَارٍ وأَطَاقَ الشَّفْرَةَ، وعَنْ ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ؟ فَقَالَ إِنْ كُنَّ نِسَاءً لَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ فَلْتَذْبَحْ أَعْقَلُهُنَّ ولْتَذْكُرِ اسْمَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهَا"(9).

 

فقد يقال إنَّ مقتضى مفهوم الشرط في قوله (ع): "إِنْ كُنَّ نِسَاءً لَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ فَلْتَذْبَحْ أَعْقَلُهُنَّ" هو أنَّه لا تصحُّ ذبيحة المرأة مع وجود الرجل.

 

والجواب أنَّ عدم وجود رجلٍ معهنَّ لا يُساوق الضرورة والاضطرار، فقد لا يكون الذبح ضرورياً كما لو كان لهنَّ طعام آخر، وقد لا يكنَّ مضطرات للذبح كما لو لم يكنَّ في مخمصة، فتجويز الذبح لمجرَّد عدم وجود رجلٍ معهنَّ لا يقتضي البناء على اعتبار الضرورة والاضطرار، نعم في فرض وجود الرجل معهنَّ لا يصحُّ منهنَّ التذكية بناءً على ظهور الجملة في المفهوم إلا أنَّه لا يبعد عدم إرادة اشتراط صحَّة التذكية بعدم وجود الرجل، وذلك بقرينة الروايات الصريحة في صحَّة تذكية المرأة حتى مع فرض وجود الرجل كصحيحة الحلبي، ولهذا يتعيَّن حمل قوله "إِنْ كُنَّ نِسَاءً لَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ" على رجحان تصدي الرجل للذبح في فرض حضوره، ويؤكِّد أنَّ الرواية بصدد بيان ما يرجح وليست بصدد بيان ما يشترط في ذبيحة المرأة أنَّها أمرت في فرض عدم حضور الرجل تصدِّي أعقل النساء الحاضرات للذبح، ولا ريب أنَّ ذلك ليس معتبراً في حليَّة ذبيحة المرأة، فلو كنَّ جميعاً عاقلات فإنَّه لا يجب أن تكون المتصدية للذبح أعقلهنَّ، فالأمرُ بأن تكون المتصدِّية للذبح أعقلَهن قرينةٌ على أنَّ الرواية بصدد بيان ما يرجح وليست بصدد بيان ما يلزم.

 

ومنها: صحيحة سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) عَنْ ذَبِيحَةِ الْغُلَامِ والْمَرْأَةِ هَلْ تُؤْكَلُ؟ فَقَالَ: إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُسْلِمَةً وذَكَرَتِ اسْمَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ عَلَى ذَبِيحَتِهَا حَلَّتْ ذَبِيحَتُهَا، وكَذَلِكَ الْغُلَامُ إِذَا قَوِيَ عَلَى الذَّبِيحَةِ وذَكَرَ اسْمَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهَا وذَلِكَ إِذَا خِيفَ فَوْتُ الذَّبِيحَةِ ولَمْ يُوجَدْ مَنْ يَذْبَحُ غَيْرُهُمَا"(10).

 

فمقتضى مفهوم الشرط في قوله (ع): "إِذَا خِيفَ فَوْتُ الذَّبِيحَةِ ولَمْ يُوجَدْ مَنْ يَذْبَحُ غَيْرُهُمَا" هو عدم صحَّة ذبح المرأة والغلام في غير الفرض المذكور.

 

والجواب عن ذلك هو تعيُّن رفع اليد عن هذا الظهور بقرينة الروايات الصريحة في صحَّة ذبيحة المرأة حتى في غير هذا الفرض كصحيحة الحلبي لذلك يُحمل القيد المذكور على رجحان عدم تصدِّي المرأة والغلام للتذكية إلا إِذَا خِيفَ فَوْتُ الذَّبِيحَةِ ولَمْ يُوجَدْ مَنْ يَذْبَحُ غَيْرُهُمَا" ولعلَّه لذلك لم يُفتِ أحدٌ من الفقهاء باشتراط جواز ذبح المرأة الغلام بخوف فوات الذبيحة وعدم حضور الرجل أو بالضرورة والاضطرار كما أفاد صاحب الجواهر(11).

 

ومنها: مرسلة أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِه قَالَ: سَأَلَ الْمَرْزُبَانُ الرِّضَا (ع) عَنْ ذَبِيحَةِ الصَّبِيِّ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ وذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ الْخَصِيِّ والصَّبِيِّ والْمَرْأَةِ إِذَا اضْطُرُّوا إِلَيْه"(12).

 

فهذه الرواية وإنْ قيَّدت نفي البأس بفرض الاضطرار إلا أنَّها فاقدة للاعتبار لضعفها بالإرسال مضافاً إلى أنَّها لا تعدو الظهور في اشتراط الصحَّة بالاضطرار فيكون مقتضى الجمع العرفي بينها وبين الروايات الصريحة في نفي البأس عن ذبيحة الصبي والمرأة هو حمل الرواية على رجحان عدم تصدِّيهما للتذكية إلا في فرض الاضطرار، فذلك هو مقتضى قاعدة حمل الظاهر على الصريح.

 

والحمد لله ربِّ العالمين

 

الشيخ محمد صنقور

8 / جمادى الأولى / 1445ه

23 / نوفمبر / 2023م

-------------------------

1- كشف اللثام -الفاضل الهندي- ج12 / ص216، مستند الشيعة -النراقي- ج15 / ص392.

2- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج36 / ص90.

3- سورة المائدة / 3. 

4- الكافي -الكليني- ج6 / ص238. 

5- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج24 / ص43.

6- الكافي -الكليني- ج6 / ص237، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج24 / ص44.

7- الكافي -الكليني- ج6 / ص238، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج24 / ص45.

8- الكافي -الكليني- ج6 / ص238.

9- الكافي -الكليني- ج6 / ص237، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج24 / ص44.

10- الكافي -الكليني- ج6 / ص237، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج24 / ص45.

11- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج36 / ص90.

12- الكافي-الكليني- ج6 / ص238، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج24 / ص46.