الوصيَّة بالثلث أفضل أو بما دون الثلث 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

 

المسألة:

هل الوصيَّة بالثلث أفضل أو أنَّ الوصية بما دون الثلث هو الأفضل؟

 

الجواب:

لا إشكال ولا خلاف في أنَّ اقصى ما تصحُّ فيه الوصيَّة هو الثلث من مجموع المال، فلو أوصى الموصي بما زاد على الثلث لم تَمضِ وصيته إلا بمقدار الثلث ويتوقَّف انجاز ما زاد عن الثلث على إجازة الورثة، وقد نصَّت على ذلك الروايات المعتبرة عن أهل البيت(ع).

 

إنَّما الكلام في أنَّ الوصية بالثلث أفضل أو أنَّ الوصية بما دون الثلث هو الأفضل؟

 

نُسب إلى الشيخ الطوسي رحمه الله التفصيل بين ما إذا كان الورثة فقراء فالوصية بما دون الثلث أفضل وبين ما إذا كانوا أغنياء فالوصية بالثلث في هذا الفرض أفضل وهو معنى قوله: كان الورثة أغنياء استحب له أن يوصي بالثلث، وكذلك حكي عن الوسيلة التفصيل فإن كان الورثة أغنياء أوصى بالثلث، وإن كانوا فقراء فبالخمس وإنْ كانوا متوسطين فبالربع"(1).

 

وأمَّا الروايات فالذي يظهر من العديد منها أنَّ الأفضل على الإطلاق هو الوصيَّة بما دون الثلث، فمِن ذلك صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّه عَلَيْه يَقُولُ: "لأَنْ أُوصِيَ بِخُمُسِ مَالِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالرُّبُعِ، ولأَنْ أُوصِيَ بِالرُّبُعِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالثُّلُثِ، ومَنْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ فَلَمْ يَتَّرِكْ فَقَدْ بَالَغَ .."(2).

 

ومنها: صحيحة حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "مَنْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ فَقَدْ أَضَرَّ بِالْوَرَثَةِ، والْوَصِيَّةُ بِالْخُمُسِ والرُّبُعِ أَفْضَلُ مِنَ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ ومَنْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ فَلَمْ يَتَّرِكْ"(3).

 

ومنها: معتبرة السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: "قال: أمير المؤمنين (عليه السلام): الوصيَّةُ بالخمس، لأنَّ الله عزَّ وجلَّ رضيَ لنفسِه بالخمس، وقال: الخمسُ اقتصاد، والربعُ جُهد، والثلثُ حَيف"(4)

 

فهذه الروايات صريحةٌ في أنَّ الوصية بما دون الثلث أفضلُ من الوصيَّة بالثلث، ومقتضى إطلاقها هو أنَّ أفضليَّة ما دون الثلث ثابتةٌ حتى في فرض كون التركة كثيرة، أو كون الورثة أغنياء، ويُؤيد الظهور في الإطلاق قوله (ع) في معتبرة السكوني: "الوصيَّة بالخمس، لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ رضيَ لنفسِه بالخمس"

 

إلا أنْ يُقال: إنَّ قوله (ع) في صحيحة محمد بن قيس: "ومَنْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ فَلَمْ يَتَّرِكْ فَقَدْ بَالَغَ" ظاهر في أنَّ مفروض أفضليَّة ما دون الثلث هو ما لو كانت التركة قليلةً أو كان الورثة من ذوي الحاجة أو كانوا كثيرين، فذلك هو المستظهَر من قوله: "فلم يترك" أي لم يترك كثيراً أو لم يترك ما يسدُّ عوَزهم وإلا فهو قد ترك لهم الثلثين، وكذلك فإنَّ قوله: "فقد بالغ" مشعرٌ بأنَّ مفروض هذا الوصف هو ما لو كانت التركة قليلةً أو كان الورثةُ كثيرين أو من ذوي الحاجة. وهذا ما يُستشعر أيضاً، من وصف الثلث بالحَيف في معتبرة السكوني والذي هو بمعنى الاجحاف وإدخال العنَت على الورثة، إذ لو كانت التركة كثيرةً مثلاً فإنَّ الوصية بالثلث لا يكون من الإجحاف. لأنَّه المقدار المقرَّر شرعاً، وكذلك فإنَّ وصف الربع بالجُهد في معتبرة السكوني مشعرٌ بكون الفرض هو قلَّة التركة أو كثرة الورثة أو كونهم من ذوي الحاجة.

 

وعليه فلا يبعد عدم انعقاد إطلاق في أفضليَّة ما دون الثلث، فإنَّ ما ذكرناه إنْ لم يكن قرينةً على عدم إرادة الإطلاق فلا أقلَّ من صلاحيته للمنع من انعقاد الإطلاق، ويؤكِّد ذلك ما ورد في صحيحة عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ من أنَّ أبا عبد الله الصادق (ع) كان قد أوصى بالثلث قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ (ع) عَمَّا يَقُولُ النَّاسُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ والرُّبُعِ عِنْدَ مَوْتِه أشَيْءٌ صَحِيحٌ مَعْرُوفٌ أَمْ كَيْفَ صَنَعَ أَبُوكَ؟ فَقَالَ: الثُّلُثَ ذَلِكَ الأَمْرُ الَّذِي صَنَعَ أَبِي رَحِمَه اللَّه"(5) ولم يكن أبو عبد الله الصادق (ع) ليعدل عمَّا هو الأفضل، فذلك يؤيد أنَّ الوصيَّة بما دون الثلث ليس هو الأفضل على الإطلاق.

 

نعم لا يمكن الاستدلال بصحيحة عبد الرحمن بن الحجَّاج على أنَّ أفضلية ما دون الثلث مقيَّد بقلَّة التركة أو كثرة الورثة أو كونهم من ذوي الحاجة، وذلك لأنَّ الصحيحة تحكي فعلاً للإمام (ع) لا يُعلم ما هو منشأه.

 

والمتحصَّل ممَّا ذكرناه أنَّ أفضليَّة الوصيَّة بما دون الثلث ثابتٌ في الجملة، ولكنَّه ليس هو الأفضل في بعض الفروض.

 

والحمد لله ربِّ العالمين

 

الشيخ محمد صنقور

11 / شعبان / 1445ه

22 / فبراير / 2024م

-----------------------------

1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج28 / ص332.

2- الكافي -الكليني- ج7 / ص11، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج19 / ص269.

3- الكافي -الكليني- ج7 / ص11، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج19 / ص269.

4- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص185، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج19 / ص270.

5- الكافي -الكليني- ج7 / ص55، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج19 / ص272.