إقامة الدَّعوى على الغائب

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

 

المسألة:

لو ادَّعى أحدٌ حقَّاً على غائب ولم يُمكن إحضاره فهل تُسمع الدعوى في هذا الفرض؟ وماذا لو كان للمدَّعي بيِّنة هل يصحُّ للقاضي الحكم بمقتضاها رغم كون المدَّعى عليه غائباً؟

 

الجواب:

الظاهر هو عدم الخلاف بين الفقهاء(1) في صحَّة مقاضاة الغائب، فإذا أقام المدَّعي البيِّنة على أنَّ له حقَّاً على غائبٍ حُكم له بالحقِّ المدَّعى، فإنْ كان للغائب المدَّعى عليه مالٌ صحَّ للقاضي أنْ يأخذ منه ما يوفي به حقَّ المدَّعي، نعم يكون للغائب المدَّعى عليه الحقُّ في إقامة حجَّته لو حضر بعد ذلك وأنكر أنَّ عليه حقَّاً للمدَّعي أو أنَّه قد أوفاه حقَّه، فإذا أقام الحجَّة على ذلك صار له الحقُّ في استرداد ما أُخذ من ماله.

ويُستدلُّ على ما ذكرناه بمثل صحيحة جميل بن دراج عن جماعة من أصحابنا عنهما (عليهما السلام) قالا: "الغائبُ يقضى عليه إذا قامت عليه البيِّنة، ويُباع ماله، ويقضى عنه دينُه وهو غائب، ويكون الغائبُ على حجَّته إذا قدم قال: "ولا يدفع المال إلى الذي أقام البيِّنة إلا بكفلاء"(2).

فهذه الرواية مطابقة لما أفتى به المشهور من صحَّة مقاضاة الغائب والحكم عليه عند قيام البيِّنة وصحَّة أخذ الحقِّ -الذي ثبت عليه- من ماله، غايته أنَّ الرواية أفادت أنَّه لا يُعطى المدَّعي بعد قيام البينة من مال الغائب المدَّعى عليه إلا بعد أن يأتي بكفيل يضمنُ ردَّ المال لو تبيَّن عدم استحقاقِ المدعي له. نعم أورد الكليني ذات الرواية عن جميل عن محمد بن مسلم إلا أنَّه زاد في ذيلها "إِذَا لَمْ يَكُنْ مَلِيّاً"(3) ومقتضاها عدم لزوم إتيان المدَّعي بكفيل إذا كان مليَّاً لكن طريق الكليني مشتملاً على من لم تثبت وثاقته.

وفي مقابل ما استدلَّ به المشهور أورد في قرب الاسناد بسنده أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام) قال: "لا يقضى على غائب"(4) إلا أنَّه نظراً لضعف الرواية بأبي البختري لذلك فهي لا تصلحُ لمعارضة صحيحة جميل بن دراج، وما قد يُقال بأنَّ رواية جميل ضعيفة أيضاً لعدم تصريحه بهوية مَن يروي عنهم فهي بحكم المرسلة.

جوابه: أنَّ جميل بن دراج صرَّح بأنَّه يروي ذلك عن الإمامين الباقر والصادق (ع) من طريق جماعةٍ من أصحابنا، ومن المستبعد غايته أنْ يكونوا جميعاً كاذبين خصوصاً مع الالتفات إلى جلالة قدر جميل وعلوِّ شأنه.

وهل يُعتبر في صحة الحكم على الغائب أنْ يضمَّ إلى البينة يمين المدَّعي؟

ذهب لذلك جماعة من الفقهاء(5). ونسب صاحبُ الجواهر ذلك إلى الأكثر بل المشهور(6) واستدلُّوا عليه بعموم التعليل الوارد في رواية عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّه قَالَ: قُلْتُ لِلشَّيْخِ (ع) – يعني الإمام موسى بن جعفر- خَبِّرْنِي عَنِ الرَّجُلِ يَدَّعِي قِبَلَ الرَّجُلِ الْحَقَّ فَلَا يَكُونُ لَه بَيِّنَةٌ بِمَا لَه؟ قَالَ فَيَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْه، فَإِنْ حَلَفَ فَلَا حَقَّ لَه وإِنْ لَمْ يَحْلِفْ فَعَلَيْه وإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ بِالْحَقِّ قَدْ مَاتَ، فَأُقِيمَتْ عَلَيْه الْبَيِّنَةُ فَعَلَى الْمُدَّعِي الْيَمِينُ بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَقَدْ مَاتَ فُلَانٌ وإِنَّ حَقَّه لَعَلَيْه، فَإِنْ حَلَفَ وإِلَّا فَلَا حَقَّ لَه، لأَنَّا لَا نَدْرِي لَعَلَّه قَدْ أَوْفَاه بِبَيِّنَةٍ لَا نَعْلَمُ مَوْضِعَهَا أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ قَبْلَ الْمَوْتِ فَمِنْ ثَمَّ صَارَتْ عَلَيْه الْيَمِينُ مَعَ الْبَيِّنَةِ فَإِنِ ادَّعَى بِلَا بَيِّنَةٍ فَلَا حَقَّ لَه لأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْه لَيْسَ بِحَيٍّ ولَوْ كَانَ حَيّاً لأُلْزِمَ الْيَمِينَ أَوِ الْحَقَّ أَوْ يَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَيْه فَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَثْبُتْ لَه الْحَقُّ"(7).

فمفاد الرواية أنَّه لا تثبت الدعوى بالدَّين على الميِّت إلا مع ضمِّ يمين المدَّعي إلى البيِّنة، وعلَّلت الرواية اشتراط ضمِّ اليمين بقوله (ع): "لأَنَّا لَا نَدْرِي لَعَلَّه قَدْ أَوْفَاه بِبَيِّنَةٍ لَا نَعْلَمُ مَوْضِعَهَا أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ قَبْلَ الْمَوْتِ" وهذا التعليل يجري في الغائب لأنَّه بحكم الميِّت من جهة عدم قدرته على الدفاع عن نفسِه نظراً لغيبته.

إلا أنَّ الظاهر اختلاف الموردين، فإنَّ الغائب وإنْ لم يكن قادراً على الدفاع عن نفسه حين غيبته لكنَّه متمكِّنٌ منه بعد حضوره، وهذا الفرق يمنعُ من تعديةِ الحكم من الدعوى على الميِّت للدعوى على الغائب، ويؤكِّد ذلك ما ورد في صحيحة جميل قال(ع): "ويكون الغائب على حجَّته إذا قدم".

 

والحمد لله ربِّ العالمين

 

الشيخ محمد صنقور

2 / ذي القعدة / 1445ه

11 / مايو / 2024م

--------------------------

1- الحدائق الناضرة -الشيخ يوسف البحراني- ج20 / ص207.

2- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج6 / ص296، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج27 / ص294.

3- الكافي -الكليني- ج5 / ص102.

4- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج27 / ص296.

5- الحدائق الناضرة -الشيخ يوسف البحراني- ج20 / ص207

6- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج40 / ص201.

7- الكافي -الكليني- ج7 / ص415، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج27 / ص236.