معنى قوله (ص): "الجنَّة تحت أقدامِ الأمَّهات"
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
"الجنَّة تحت أقدامِ الأُمهات" هل هو حديثٌ مأثورٌ عن النبيِّ الكريم (ص) أو أحد المعصومين من أهل بيته (ع)؟ وما هو المراد منه؟
الجواب:
نعم أوردَ هذا الحديثَ الشريف القطبُ الراوندي في لبِّ اللُّباب عن النبيِّ الكريم (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: "الجنَّةُ تحتَ أقدام الأمهات" قال: وقال (صلَّى الله عليه وآله): "تحتَ أقدامِ الأمهاتِ روضةٌ مِن رياضِ الجنَّة"(1).
وورد كما في المصنَّف للصنعاني والمستدرك للحاكم النيسابوري أنَّ رجلاً جاء النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إنِّي أريدُ الغزوَ، وقد جئتُك أستشيرُك، قال (ص): هل لك مِن أُم؟ قال: نعم، قال: ألزمْها فإنَّ الجنَّة عند رجلها"(2).
وفي روايةٍ أخرى أنَّ الرجل قال: أتيتُ رسول الله (ص) فقلتُ: يا رسول الله إنِّي كنتُ أردتُ الجهاد معك، أبتغي بذلك وجهَ الله والدارَ الآخرة، قال: ويحك أحيَّةٌ أمُّك؟ قلتُ: نعم، قال: ارجع فبرَّها .. -فأعادَ عليه الطلب- فقال (ص): "الزم رجلَها فثَمَّ الجنة"(3) أي فعند رجلِها الجنَّة.
وفي لسانٍ آخر: "الزمْها فإنَّ الجنَّة تحتَ أقدامِها"(4).
مفاد الحديث الشريف:
ومفاد الحديث الشريف هو الحثُّ على الخضوع والتصاغر والانقياد للأم، فالمستظهَر من أنَّ الجنَّة تحت أقدام الأم هو أنَّ محلَّ الجنَّةِ كائنٌ عند موضعِ أقدام الأم، فمَن أراد دخولها فليطأطئ وينزل عند أقدام الأُم فمِن هناك المدخلُ إلى جنَّة الله تعالى، وفي ذلك تعبيرٌ عن أنَّ طريق الدخول إلى الجنَّة يمرُّ مِن تحت أقدام الأم.
ففي الحديث الشريف كنايةٌ عن أنَّ الخضوع والانقياد للأم وسيلةٌ لدخول الجنَّة، فالجنَّة كائنةٌ تحت أقدام الأم، وعليه فلا يُتاح الوصول والدخول إليها إلا بالانحناء والنزول عند أقدام الأم، والانحناء والنزول عند الأقدام تعبيرٌ كنائي يستعملُه العرب للدلالة على الخضوع والتصاغر والانقياد، وبذلك يكون مفادُ الحديث هو الحثّ على التواضع والتكريم للأم والنزول عند رغباتها، فليس مفادُ الحديث هو الدعوة إلى أنْ يضع الرجلُ خدَّه أو جبهته عند أو تحت أقدام أمِّه، فذلك لا يظهرُ من الحديث أنَّه بصدد الدعوةِِ إليه بل الواضحُ مِن مَساق الحديث الشريف هو أنَّه بصدد الدعوة لرعاية الأم وتكريمها والاحتفاء بها وفاءً لحقِّها الكبيرِ عليه.
فمؤدَّى الحديث هو الدعوة إلى البرِّ والإحسان للأمهات مع استشعار الامتنان وإظهار التخضُّع لهن، فإنَّ ذلك هو ما يُوحيه التعبير بجعل الجنَّةِ تحت أقدامهنَّ، فلا يكفي السعيُّ لقضاء حوائجهنَّ بل يتعيَّن التواضع لهنَّ واشعارهن بالامتنان حال القضاء لحاجاتهن.
فالقضاء لحاجاتِ الأُم مع الاستعلاء عليها أو استصغارها وتوهينها لا يكون امتثالاً للحديث الشريف، وكذلك فإنَّ إظهار الاحترام للأم والتبجيل لمقامها مع التجاهل لحاجاتها لا يكون امتثالاً للحديث النبويِّ الشريف فلا يصدق الامتثال للحديث الشريف إلا بالاحسان المصاحب للتواضع والتكريم.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
1 / شعبان / 1446ه
31 / يناير / 2025م
1- مستدرك الوسائل -النوري- ج15 / ص180، جامع أحاديث الشيعة -البروجردي- ج21 / ص428.
2- المصنَّف -ابن أبي شيبة- ج5 / ص176، المستدرك على الصحيحين -الحاكم النيسابوري- ج4 / ص151.
3- سنن ابن ماجه -محمد بن يزيد القزويني- ج2 / ص930.
4- جامع الأحاديث -السيوطي- ج6 / ص75.