النسيء ومواقيت الشهور القمريَّة
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
السلام عليكم سماحة الشيخ:
أورد البعض إشكالاً مفاده أن ترتيب الشهور العربية الحالي، أي في عصرنا الحالي ليس صحيحاً، أي ليست بالترتيب المتعارف عليه قبل الإسلام وعللوا ذلك بأن العرب كانت تغير هذه الشهور أو تضيف شهراً إضافياً للسنة وذلك لكي لا يكون القتال في الأشهر الحرم، واستشهدوا بالآية -{ إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ..﴾(1) إلى آخر الآية- وأن شهر رمضان إنما كان في فصل الصيف دائماً ولذلك كانت تسميته، ونحو ذلك .. وأننا لا نصوم شهر رمضان في موعده الصحيح، فهل مثل هذه الادعاءات صحيحة وما هو التفسير الأصح (للنسيء، وعدة الشهور)؟
الجواب:
النسيء لدى عرب الجاهليَّة:
هذا الكلام لا يصحُّ فإنَّ الذي كان عليه عرب الجاهليَّة هو ما يُعبَّر عنه بالنسيء، فلأنَّهم كانوا ملتزمين ببعض ما أُثر عن ملَّة إبراهيم وإسماعيل والتي منها تحريم القتال في الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجَّة ومحرم ورجب ثلاثة أشهر متوالية وشهرٌ منفرد وهو رجب، فكانوا ملتزمين بحرمة القتال في هذه الأشهر الأربعة إلا أنَّهم إذا أرادوا القتال في واحدٍ من الأشهر الحرم فإنَّهم يؤخِّرونه إلى شهرٍ لاحق من بقية الشهور الحلال فيقاتلون في في الشهر الحرام ثم يحرِّمون القتال في الشهر الحلال البديل، فمثلاً إذا أرادوا القتال في شهر محرَّم وهو من الأشهر الحرم فإنَّهم يؤخِّرونه إلى صفر وهو من الأشهر الحلال، فيعتبرون شهر محرم صفراً فيُقاتلون فيه ثم يعتبرون شهر صفر من نفس العام أو العام اللاحق هو شهر محرَّم لذلك يمتنعون فيه عن القتال. فإذا جاءت السنة اللاحقة أو التي بعدها ولم يحتاجوا إلى القتال في الأشهر الحرم أعادوا شهر محرم إلى موضعه والتزموا بحرمة القتال فيه، وهكذا.
فتأخير محرَّم إلى صفر هو المعبَّر عنه بالنسيء الذي وصفه الله تعالى بأنَّه زيادة في الكفر، فعرب الجاهلية زيادةً على كفرهم بملَّة إبراهيم وذلك لتركهم التوحيد وعبادتهم للأوثان فإنَّهم أخذوا يعبثون بشريعته التي يزعمون أنَّهم ملتزمون بها فهو قد حرَّم القتال في الأشهر الحرُم فاحتالوا على ذلك وابتدعوا تأخير الشهر الحرام إلى شهرٍ حلال ليُبيحوا لأنفسهم القتال في الشهر الحرام، لذلك وصف الله تعالى هذا التأخير بأنَّه زيادةٌ في الكفر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾(2).
بيان المراد من آية النسيء:
فالنسيء من الإنساء وهو التأخير، يُقال نسأت المرأة إذا تأخَّر وقت حيضها، ويقال: نَسَأَ اللَّهُ في أَجَلِكَ، ونَسَأَ اللَّهُ أَجَلَكَ، أي أخَّره فهو دعاء بطول العمر وتأخير وقت الموت. ومنه بيع النسيئة وهو قبض المبيع وتأخير دفع الثمن إلى أجلٍ محدَّد، فالمراد من النسيء هو التأخير.
ومفاد الآية المباركة هو التشنيع على عرب الجاهليَّة، وذلك لما ابتدعوه من النسيء فكانوا إذا أرادوا القتال في شهر من الأشهر الحرُم أخَّروه واستبدلوه بالشهر اللاحق من الأشهر الحلال ليُبيحوا لأنفسهم القتال في الشهر الحرام ثم يعودون في العام اللاحق فيلتزمون بحرمته إذا لم يتفق فيه قتال أو أنَّهم إذا أرادوا القتال في الشهر الحرام فإنَّهم يؤخِّرونه بمعنى أنَّهم يعتبرونه من الأشهر الحلال في هذا العام وفي العام اللاحق يجعلونه وما بعده من الأشهر الحرُم، فهم غالباً أو دائماً يستكثرون البقاء دون حروب ثلاثة أشهر متوالية وهي ذو القعدة وذو الحجَّة ومحرَّم فيلتزمون بعدم القتال في ذي القعدة وذي الحجَّة، وأمَّا شهر محرَّم فيعتبرونه صفراً فيستحلُّون فيه القتال ويقولون إنَّ صفراً في هذا العام صفران ثم أنَّهم في العام اللاحق إذا لم يحتاجوا إلى القتال جعلوا شهر محرم شهرين يلتزمون فيهما بعدم القتال، فلا يكون في العام اللاحق شهر صفر بل شهران لمحرَّم الأول عن شهر محرم الأصلي والثاني بديل عن محرم الذي أخَّروه إلى العام اللاحق، وهذا احتيال وتغيير لما شرَّعه نبيُّ الله إبراهيم (ع) فهو زيادة في الكفر، فهم مضافاً إلى كفرهم لتركهم التوحيد وعبادتهم للأوثان فإنَّهم زادوا على ذلك فابتدعوا النسيء ليستحلُّوا القتال في الشهر الحرام.
ومعنى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ هو أنَّهم يجعلون الشهر الحرام حلالاً إذا أرادوا القتال فيه ثم يجعلون في العام اللاحق الشهر الحلال حراماً ويقولون شهراً بشهر، فهم لا يُحلِّون شهراً من الأشهر الحرم إلا حرَّموا بدلاً عنه شهراً من الأشهر الحلال ليكون ذلك موافقاً بزعمهم للعدد الذي حرَّمه الله تعالى، وهذا هو معنى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أي ليكون هذا التبديل موجباً لموافقة ومطابقة عدَّة الأشهر التي حرَّمها الله أي ليتحقَّق بذلك التبديل مقدار عدد الأشهر التي حرَّمها الله وهي أربعة أشهر، وهذا هو المراد من المواطاة، فهم لا يستحلُّون شهراً من الأشهر الحرُم إلا جعلوا مكانه شهراً من الأشهر الحلال لتحصل الموافقة لعدد الأشهر التي حرَّمها الله وهي أربعة أشهر.
وباتِّضاح المراد من الآية المباركة وما كانت عليه عرب الجاهليَّة يتَّضح أنَّ النسيء لا يُوجب الاختلال في ترتيب الشهور القمريَّة التي كانت مُعتمدة عند العرب لأنَّ النسيء لا يعني أكثر من تأخير شهرٍ محرم ليسحلُّوا فيه القتال فهو على حاله وموضعه في تعداد الشهور غايته أنَّهم يعتبرون القتال فيه حلالاً ثم يستعيضون عن استحلاله بتحريم القتال في شهرٍ من الأشهر الحلال، وهذا لا يوجب اختلالاً في تعداد الشهور وترتيبها.
نعم ثمة بعض الأخبار الشاذة قد يُستظهر منها غير ذلك:
الخبر الأول: أورده الطبري قال: حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ قال: فرض الله الحجَّ في ذي الحجَّة، وكان المشركون يسمُّون الأشهر ذا الحجة والمحرم وصفر وربيع وربيع وجمادى وجمادى ورجب وشعبان ورمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة ثم يحجون فيه.
ثم يسكتون عن المحرم فلا يذكرونه ثم يعودون فيسمُّون صفر صفر ثم يسمُّون رجب جمادى الآخرة ثم يسمُّون شعبان رمضان ورمضان شوال، ويُسمُّون ذا القعدة شوال ثم يُسمُّون ذا الحجة ذا القعدة ثم يسمُّون المحرم ذا الحجَّة ثم يحجُّون فيه، واسمه عندهم ذو الحجة. ثم عادوا إلى مثل هذه القصة فكانوا يحجُّون في كلِّ شهرٍ عاماً حتى وافق حجة أبى بكر الآخرة من العام في ذي القعدة ثم حجَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجته التي حجَّ فيها فوافق ذو الحجة فذلك حين يقول صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته: إنَّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض"(3).
أقول: ظاهر هذا الخبر المروي عن مجاهد -المفسِّر المعروف- وإنْ كان لا يخلو من اضطراب إلا أنَّ الظاهر منه أنَّ العرب كانت ملتزمة بالحج إلى بيت الله الحرام في شهر ذي الحجة ثم أنَّهم صاروا يدورون بأداء الحج على شهور السنة فيحجُّون في كلِّ عام في شهر من شهور السنة، ويسمُّون الشهر الذي يحجُّون فيه بشهر ذي الحجة ويتركون اسمه الأصلي، فإذا حجُّوا في هذا العام في شهر ذي الحجة فإنَّهم يحجُّون في العام اللاحق في شهر محرَّم ويسمُّونه ذا الحجة ثم يحجُّون في العام الذي بعده في صفر ويسمُّونه ذا الحجة، ويحجُّون في العام الذي بعده في ربيع الأول ويسمُّونه ذا الحجة وهكذا وبذلك تتغير أسماء الشهور، فإذا حجُّوا في شهر صفر مثلاً سمَّوه ذا الحجة ويسمُّون الشهر الذي بعده صفر فيكون صفر مكان ربيع الأول، وربيع الأول مكان الثاني وجمادى الأول مكان ربيع الثاني وهكذا، وبذلك تتغير أسماء الشهور إلى أن تحصل دورة كاملة في اثنتي عشر سنة يعودون فيها للحج في شهر ذي الحجة الأصلي ثم يستأنفون الدوران من جديد.
فهذا هو النسيء الذي عنته الآية بحسب ما يذكره مجاهد إلا أنَّ هذا التفسير للنسيء المعتمِد على الخبر المذكور لا يصح لأن الخبر الذي نقله عن العرب ساقط عن الحجية، إذ لا يُعلم من أين أخذه على أنَّه منافٍ للأخبار الكثيرة التي بينت أن النسيء الذي كانت تعتمده العرب هو ما ذكرناه من تأخير الشهر الحرام إلى شهرٍ حلال وغرضهم من ذلك هو استحلال القتال في ذلك الشهر الحرام فإذا أرادوا القتال في شهر محرم مثلاً فإنَّهم يؤخِّرون حرمة القتال فيه إلى شهرٍ حلال فيجعلون الشهر الحلال حراماً بدلاً من استحلالهم القتال في الشهر الحرام.
وهذا المعنى للنسيء -مضافاً إلى أنَّه المطابق لأكثر الأخبار- فإنه هو الظاهر من مفاد الآية المباركة، وأمَّا خبر مجاهد فهو على خلاف الظاهر من عنوان النسيء، فإنَّ النسيء يعني التأخير، والذي يقتضيه خبر مجاهد تغيير أسماء الشهور وهذا لا يسمَّى نسيء. على أنَّ خبر مجاهد منافٍٍ لتفسير الآية نفسها لمعنى النسيء حيث أفادت: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ فهي تتحدَّث عن أنَّ النسيء يتَّصل باستحلال عرب الجاهلية للقتال في الشهر الحرام ولا صلة للنسيء بما هو مذكور في خبر مجاهد.
ثم إنَّه لو تمَّ القبول بالخبر الذي نقله مجاهد فإنَّه اشتمل في ذيله على أن آخر الدورة وقعت في العام الذي حج فيه أبو بكر فكان حجُّه بحسب الخبر في ذي القعدة ثم تمَّت الدورة في العام الذي حجَّ فيه رسولُ الله (ص) حجة الوداع، فرسول الله (ص) قد حج في ذي الحجة الأصلي، ولذلك قال -بحسب الخبر-: "إنَّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض" فوافق حج رسول الله (ص) شهر ذي الحجَّة الأصلي وحيث إنَّ الإسلام حرَّم النسيء واعتبره زيادة في الكفر لذلك التزم المسلمون بالحج في شهر ذي الحجة من كلِّ عام والذي انتظم بحجة الوداع لرسول الله (ص).
الخبر الثاني: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "كانت العرب يحلون عاماً شهراً وعاماً شهرين، ولا يصيبون الحج إلا في كلِّ ستة وعشرين سنة مرَّة وهو النسئ الذي ذكر الله تعالى في كتابه فلمَّا كان عام الحج الأكبر ثم حجَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من العام المقبل فاستقبل الناس الأهلة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنَّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللهُ السماوات والأرض".
أقول: هذا الخبر وإنْ كان مختلفاً في المضمون والتفاصيل مع الخبر السابق لكنَّه يشترك معه في دعوى أنَّ العرب كانت تحجُّ في غير شهر ذي الحجَّة وهو ما يترتَّب عليه تغير الشهور من عامٍ لعام آخر، وبقطع النظر عن سقوط الخبر عن الاعتبار والحجيَّة لضعفه ومنافاته لظاهر الآية فإنَّ ذيله صريح في أنَّ الدورة قد تمّت في العام الذي حجَّ فيه رسولُ الله (ص) حجَّة الوداع فكان قد حجَّ في شهر ذي الحجَّة الأصلي وعلى ذلك انتظمت الشهور لأنَّ المسلمين تركوا النسيء لحرمته فصاروا يحجُّون في شهر ذي الحجَّة الأصلي وبذلك تنتظم الشهور القمريَّة بعده ابتداء بمحرم وانتهاء بذي الحجَّة من العام القابل.
منشأ دوران الشهور القمريَّة على فصول السنة:
وبما ذكرناه يتَّضح أنَّ المذكور في الإشكال من اختلاف ترتيب الشهور العربية وأنَّها ليست على ما كانت عليه لا أساس له من الصحَّة، وأمَّا دعوى أنَّ شهر رمضان يأتي في الصيف دائماً بقرينة أنَّ رمضان في اللغة من الرمض وهو اشتداد الحرارة، فهذه القرينة لا تصلح لإثبات أنَّ شهر رمضان لا يكون إلا في الصيف فإنَّ التسمية قد تكون ناشئة عن أنَّ الشهر أول ما سُمِّي بهذا الاسم كان في وقت اشتداد الصيف لكنَّ ذلك لا يقتضي أنْ يبقى مجيئه دائماً في وقت الصيف، فإنَّ الذي لا ريب فيه أنَّ الشهور العربية قمريَّة وليست شمسيَّة، وهذا يقتضي اختلاف مواقيت مجيئها ودورانها على فصول السنة، فالشهر القمري الذي يتَّفق مجيئه في فصل الصيف يتعيَّن مجيئه مع دوران السنين في فصل الشتاء وفصل الربيع وفصل الخريف، وهكذا فإنَّ الشهر القمري الذي يجيء في فصل الشتاء يتعيَّن مجيئه مع دوران السنين في سائر الفصول، فجميع الشهور القمريَّة تدور على جميع فصول السنة، ومنشأ ذلك أنَّ السنة القمريَّة -التي تتحدد شهورها بما بين الهلالين- تنقص عن السنة الشمسيَّة بما يقرب من أحد عشر يوماً، فعدد أيام السنة الشمسيَّة 365 يوماً، وأمَّا عدد أيام السنة القمريَّة فيقرب من 354 يوماً، لأنَّ الشهر القمري قد يستغرق 30 يوماً وقد يستغرق 29 يوماً، وعليه فحيث إنَّ السنة القمريَّة تنقص عن السنة الشمسيَّة بما يقرب من أحد عشر يوماً فذلك يقتضي أن يتنقل الشهر القمري بين فصول السنة.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
4 / شوال / 1446ه
3 / أبريل / 2025م
1- سورة التوبة / 37.
2- سورة التوبة / 37.
3- جامع البيان -الطبري- ج10 / ص170.
4- المعجم الأوسط -الطبراني- ج3 / ص196.