حديث حول سورة الضحى (4)
أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وخاتم النبيين، حبيب إله العالمين، أبي القاسم محمد، وعلى آله الأخيار الأبرار، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. اللهمَّ أخرجنا من ظلمات الوهم، وأكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا أبوابَ رحمتك، وانشر علينا خزائن علومك.
قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد: {وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى/ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}(1).
بعد أنْ أفادت الآيةُ التي سبقت هذه الآية أنَّ الله تعالى لم يتخلَّ عن نبيِّه الكريم (ص) منذُ كوَّنه، وأنَّه كان يحبوه منذُ نشأته بألطافه وعنايته ويغمرُه بكرامته تصدَّت هذه الآية لإفادة أنَّه رغم المنح الإلهيَّة المستفيضة التي منحها الله تعالى لنبيِّه (ص) في عالم الدنيا فإنَّ له في الآخرة ما هو خيرٌ منها.
وهنا لابد من التنبيه على أنَّ المنح الإلهيَّة التي محها الله جلَّ وعلا لنبيِّه (ص) في الدنيا كانت في أكثرها منحاً معنوية وهي التي كان يحرص النبيُّ الكريم (ص) على تحصيلها واتِّهابها من ربِّه والاستزادة منها، وأمَّا عرضُ الدنيا ومتاعُها فلم يكن يشغلُ اهتمامه.
ما يشغلُ اهتمام الرسول الكريم (ص):
كان ما يشغلُ اهتمامه هو رضوانَ الله تعالى والقربَ منه والزلفى لديه لذلك كان يصرفُ الطويلَ من وقته في الدعاء وفي المناجاة وفي الصلاة، فكان يقوم أكثر الليل وجزء كبيراً من النهار، كان يستثمر كل فرصة ليخلوَ بربِّه، ويقوم إليه مصلِّياً راكعاً ساجداً، كان طويل الركوع، طويل السجود، طويل القيام حتى تورَّمت قدماه لطول قيامه فأنزل الله عليه إرفاقاً به قوله تعالى: {طه / مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى}(2).
فقد ورد في المأثور أنَّه (ص) كان يقوم في الصلاة .. حتى تورَّمت قدماه اجهادا لنفسه في العبادة حتى نزل عليه القرآن رأفةً به بقوله تعالى: {طه / مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى} وكان يقسِّم الليل أنصافاً فيقوم في صلاة الليل بطِوال السور، وكان إذا ركع يُقال: لا يُدرى متى يرفع – رأسَه من الركوع- وإذا سجد يُقال: لا يدرى متى يرفع- رأسَه من السجود-"(3).
ويقول أمير المؤمنين (ع) يصف شيئاً من حالات رسول الله (ص) مع ربِّه يقول (ع): إنَّه (ص) كان إذا قام إلى الصلاة سُمع لصدره وجوفِه أزيزٌ كأزيز المِرجل على الأثافي – يعني يُسمع منه كغليان القدر على النار- من شدَّة البكاء، وقد آمنه الله عزَّوجلَّ من عقابه، فأراد أن يتخشَّع لربِّه ببكائه فيكون إماماً لمَن اقتدى به، ولقد قام صلَّى الله عليه وآله .. حتى تورَّمت قدماه واصفرَّ وجهُه، يقومُ الليل أجمع، حتى .. قال الله عزَّوجلَّ: {طه / مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى} بل لتسعَدَ به، ولقد كان يبكي حتى يُغشى عليه، فقيل له: يا رسول الله أليس اللهُ غفرَ لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟ قال: بلى أفلا أكونُ عبداً شكورا"(4) فذلك هو ما كان يشغلُ اهتمامه.
وكان ما يشغل اهتمامه هدايةَ الناس وإعزازَ الدين وإعلاءَ كلمةِ الله في الأرض حتى ورد أن الله تعالى خاطب نبيه (ص) رفقاً به يقول تعالى:{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}(5) أي لعلك مهلكٌ ومتلِفٌ نفسك غمَّاً وحزناً وأسفاً عليهم لإعراضهم عن القرآن وإعراضهم عن الهدى وإعراضهم الرشاد وإعراضهم عن الإيمان ليس عليك هداهم رغم ذلك كان حريصاً على أنْ يهتدوا، حريصا على أنْ يكونوا في طريق الله، ويتمثلوا أمره ونهيه، ويسلكوا صراطه، فإذا وجد أحدا شطَّ أو انحرف انتابه الحزن وداخله الهمُّ والغمُّ، وحرص شديد الحرص على أن يثوب إلى رشده، حتى حينما كان في مكة الشريفة مع قريش وقسوتهم وسوء خلقهم، كان يتحمل كلَّ ذلك علَّ أحدا منهم يرجعُ إلى رشده ويتأمَّل آيات الله التي يتلوها عليه فيهتدي، وكان يحرص على أنْ يدعوَ لهم بالهداية ولكنَّهم كانوا سادرين في الضلال.
هذا ما كان يشغل اهتمام الرسول حتى أن القرآن وصف حالته – القرآن لا يبالغ- أن نفس رسول الله(ص) تكاد تتلف وتهلك من شدَّة الحزن على ما يجده من انحراف واعراض الناس عن دين الله تعالى وإعراضهم عن الهدى حتى أنَّ الله قد سلاه في أكثر من آية كما في قوله تعالى: { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}(6) وقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}(7) ارفق بنفسك
وكذلك ورد في آية أخرى تعبر عن نفس ما تُعبر عنه الآية التي سبقت وهي قوله تعالى:{فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}(8) يعني لا تتلف نفسك أسفاً وحسرة عليهم لأنهم أعرضوا وطغوا وتمرودا ولم يقبلوا الهدى ولم يسلكوا طريق الخير والرشد وحاربوك وناوءوك.
فذلك هو ما يسترعي اهتمام الرسول (ص) وأمَّا حطامُ الدنيا وزينتها فلم يكن شيءٌ منه ذال بالٍ في نفسه، كان يتعاطى معه بمقدار يستقيم به جسده.
كان ينام على الحصير حتى تظهرَ آثاره على جسده الشريف، وكانت وسادته محشوةً بليف النخل، وكان -كما في المأثور- يأكلُ خبزَ الشعير غير منخول، وما أكلَ خبز بُرٍّ قط، ولا شبِع من خبزِ الشعير قط (9) وكان ربما شدَّ حجر المجاعة على بطنه(10) للتخفيف من ألم الجوع، وكان يطوي الأيام لا يطعم فيهنَّ طعاماً(11).
وورد في المأثور "إنَّه كان ليمرُّ على آلِ محمد صلى الله عليه وآله وسلم الشهر ما يُوقَدُ في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من نار .. وما هو إلا الأسودان الماء والتمر"(12). يعني أنَّه قد يمضي الشهر فلا يطبخ عندهم الطعام، فلا يكون غذاؤهم وفطورهم يتعدَّى الماء والتمر. وحتى بعد أن دانت له الجزيرة العربية لم تتغيَّر حاله في مطعمِه ومشربِه ولباسِه ومنامِه ومركبه وموضع سكناه وأثاث منزلِه، كان ينفق ما عنده وما يصله من أموال الزكاة والأنفال حتى أنَّه قد لا يجد ما يصرفه لمؤنة عياله إلا أنْ يستدين لهم.
العزوف عن بهارج الدنيا وملذَّاتها هو ما كانت عليه عترة النبي (ص):
وهذا العزوف عن بهارج الدنيا وملذَّاتها هو ما كانت عليه عترتُه من أهل بيته (ع)
يقول أمير المؤمنين (ع) -كما في نج البلاغة-: ".. لَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هَذَا الْعَسَلِ، ولُبَابِ هَذَا الْقَمْحِ ونَسَائِجِ هَذَا الْقَزِّ، ولَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ، ويَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الأَطْعِمَةِ، ولَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْيَمَامَةِ مَنْ لَا طَمَعَ لَه فِي الْقُرْصِ، ولَا عَهْدَ لَه بِالشِّبَعِ أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى، وأَكْبَادٌ حَرَّى .." ص417.
وروي أنَّ النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى فاطمة (عليها السلام) وعليها كساء من أجلة الإبل وهي تطحن بيديها، وترضع ولدها، فدمعت عينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا بنتاه تعجَّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة، فقالت: يا رسول الله الحمد لله على نعمائه والشكرُ لله على آلائه، فأنزل الله:{ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}"(13).
ثم قال تعالى:{ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى } أي شيء سيعطيه؟
سيُعطيه من الجنة أعلاها، وسيُعطيه حوض الكوثر، وفوق ذاك وذاك سيكون أقربَ الخلق منزلةً من الله تعالى وأعلاهم رتبة، وسوف يعطيه المقام المحمود كما ورد في الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) وكما نصَّت على ذلك الآية من سورة الاسراء وهي قوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا}(14) والمقام المحمود هو مقام الشفاعة.
سُئل الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام) عن قوله تعالى: { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} فقال: الشفاعة، والله الشفاعة، والله الشفاعة"(15).
فهذا هو الشيء الذي سوف يعطيه اللهُ تعالى لنبيِّه (ص) فيُرضيه فهو في الآخرة كما في الدنيا حريصٌ على نجاة أمته، يقول الإمام الصادق(ع) فيما يروى عنه: "رضا جدي أنْ لا يبقى في النار مُوحِّد"(16)
وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "أشفع لامتي حتى يناديَني ربِّي: أرضيتَ يا محمد؟ فأقول: نعم يا ربِّ رضيت، ثم إنَّ أمير المؤمنين التفت إلى جماعة وقال: يا أهل العراق تزعمون أنَّ أرجى آيةٍ في كتاب الله عزَّ وجل: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} -يعني إن أكثر آية تبعث على التفاؤل والرجاء في النجاة يوم القيامة هي هذه الآية-. هذه الآية حين يقرأها المؤمن يشعر بالتفاؤل والرجاء في أنَّه قد يحظى بالنجاة يوم القيامة وإن كان قد أسرف على نفسه وارتكب الكثير من الذنوب والتجاوزات، أمير المؤمنين (ع) يقول هذه الآية ليست هي أرجى آية في كتاب الله، ثمة آية أرجى من هذه الآية.
يقول (ع): "وإنَّا أهلَ البيت نقول: أرجى آيةٍ في كتاب الله: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} وهي والله الشفاعة لَيُعطِينَّها في أَهلِ لا إله إِلاَّ الله حتَّى يَقُولَ: رَبِّ رَضَيْتُ"(17) يعني أنَّه كل أحد من أمة النبي الكريم (ص) يطمح في أن يحظى بشفاعة الرسول (ص)
إذن فقوله تعالى:{ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى} وعد حتمي من الله تعالى لنبيِّه (ص) أنَّه سوف يُعطيه فيكون هذا العطاء مُرضياً، ثم تصدَّت الروايات الشرفة لإفادة أنَّ أعظم ما سيُعطاه الرسول (ص) يوم القيامة هو مقام الشفاعة الذي عبرت عنه الآية من سورة الاسراء بالمقام المحمود وهذه الشفاعة ستكون واسعة حتى أصحاب الكبائر قد يحظون بها بل الرسول (ص) قال فيما روي عنه "ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"
وهنا لابد من التنبيه على أمرين:
الأمر الأول: هو أنَّ أصحاب الكبائر من أمَّة الرسول (ص) سيحظون بشفاعة الرسول (ص) ولكن بعد أن يناهم قسطٌ من العذاب، فلا ينبغي للمؤمن أنْ يتَّكل على الشفاعة دون أن يُجاهد نفسه ويحرص على أن يجتنب الكبائر ما وسعه، ولكن لو ابتُلي ببعض الذنوب فإن ثمة رجاءً في يمنحه الله عفوه ومغفرته ببركة شفاعة النبي الكريم (ص).
المحرومون من شفاعة النبي (ص):
الأمر الآخر: وهو أنَّ شفاعة النبيِّ الكريم (ص) وأهل بيته (ع) وإنْ كانت تشمل كلَّ مرتكبي الكبائر بمقتضى قوله (ص) "إنَّماشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"(18) وبمقتضى قول الإمام الصادق (ع) "شفاعتنا لأهل الكبائر من شيعتنا" إلا أنَّ لهذا العموم استثناءاتٍ عديدةً نصَّت عليها الروايات المتواترة إجمالاً.
منها: ما ورد في المستفيض عن الرسول الكريم (ص) وعن أهل بيته (ع) أنَّ شفاعتهم لا ينالها المستخف بصلاته(19) وهو الذي لا يرعى حدودها وهي آخر ما يشغل اهتمامه.
ومنها: ما أورده الشيخ الصدوق في الأمالي والعيون عن الرضا (ع) عن آبائه أنَّ رسول الله (ص) قال: "من لم يؤمن بحوضي فلا أورده اللهُ حوضي، ومن لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله الله شفاعتي"(20).
ومفاد هذه الرواية أنَّ الله تعالى يمنح نبيَّه (ص) يوم القيامة حين يُبعث الناس للحساب حوضاً وصفت الروايات المتظافرة سعته وعذوبة مائه وأنَّ من يسقى منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا وأنَّ عليَّاً (ع) هو الساقي بمعنى أنَّه لا يُسقى أحد من هذا الحوض إلا بإذنه وأنَّ ثمة أصنافاً يذادون عن الحوض فلا يؤذن لهم بالاقتراب منه بل يدفعون عنه دفعاً كما نصَّت على ذلك روايات الفريقين ومن هؤلاء الأصناف من أحدثوا في الدين ما ليس منه ومنهم بحسب هذه الرواية من أنكر أنَّ للنبيِّ الكريم (ص) حوضاً يمنحه الله له يوم القيامة وهذا هو معنى قوله (ص): "فلا أورده اللهُ حوضي" وكذلك فإنَّ الله تعالى يمنح نبيَّه (ص) مقام الشفاعة، فمن أنكر أنَّ للنبيِّ (ص) هذا المقام المحمود فإنَّه سيكون محروماً من شفاعته يوم القيامة فقوله: "ومن لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله الله شفاعتي" دعاءٌ من النبيِّ (ص) وهو مستجابٌ حتماً فلن يحظى من أنكر شفاعة النبيِّ (ص) بشفاعته يوم القيامة. وورد أيضاً في هذا المعنى عن النبيِّ (ص) أنَّه قال: شفاعتي يوم القيامة حق، فمن لم يؤمن بها لم يكن من أهلها".
ومن الكبائر التي لا يحظى مقترفها بشفاعة النبيِّ (ص) مصاحبة السلطان العسوف والغلوُّ في الدين كما ورد ذلك في الخصال عن النبيِّ (ص) أنه قال: "رجلان لا تنالهما شفاعتي: صاحب سلطان عسوف غشوم، وغال في الدين مارق"(21) وفي قرب الإسناد عن الصادق (ع) عن أبيه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله: صنفان لا تنالهما شفاعتي: سلطان غشوم عسوف، وغال في الدين مارق منه غير تائب ولا نازع"(22).
الثانية أفادت أن السلطان العسوف الظلوم محروم من الشفاعة والرواية الأولى أفادت أنَّ صاحب السلطان العسوف وهو الممالئ أو المعين له على الظلم والبغي محروم من الشفاعة، وأفات كلا الروايتين أنَّ الغلوَّ في الدين من موجبات الحرمان من الشفاعة، والمراد من الغلوِّ في الدين هو التجاوزُ في العقيدة أو في السلوك للحدِّ الذي بيَّنه الدين، وحدود الدين تُعرف من طريق مَن جعلهم الله تعالى أدلاء على دينه وهم النبيُّ الكريم (ص) وأهل بيته(ع) فمن أضاف شيئاً في الدين من عنده وزاد فيه ما لم يثبت عنهم أو ثبت عنهم نقيضه فهو من الغلاة بالمعنى الأعم.
ومن الكبائر التي لا يحظى مقترفها بالشفاعة الإيذاء لذرية الرسول (ص) كما ورد عن الإمام الصادق (ع) عن آبائه عن رسول الله (ص) قال: "إذا قمتُ المقام المحمود تشفَّعت لأهل الكبائر من أمتي فيشفِّعني اللهُ فيهم، والله لا تشفَّعتُ فيمن آذى ذريتي"(23).
والظاهر أنَّ المراد في الرواية الشريفة من ذرية الرسول (ص) لا يختصُّ بنسلِ عليٍّ وفاطمة القريبين بل يشمل مطلق النسل المبارك لعليٍّ وفاطمة (ع) ويؤيد ذلك ما أورده الشيخ الصدوق بسنده عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام قال النظر إلى ذريتنا عبادة فقيل له يا ابن رسول الله النظر إلى الأئمة منكم عبادة أو النظر إلى جميع ذرية النبي (ص) قال بل النظر إلى جميع ذرية النبي (ص) عبادة ما لم يفارقوا منهاجه ولم يتلوثوا بالمعاصي"(24).
ومن كبائر الذنوب الموجبة للحرمان من الشفاعة نعاطي المسكرات فقد ورد عن الإمام الصادق (ع) أنَّه قال: "إنَّ شفاعتنا لا تنال مستخفًّا بالصلاة، ولم يرد علينا الحوض مَن يشرب من هذه الأشربة، فقال له بعضُهم: أيُّ أشربةٍ هي؟ فقال (ع): كلُّ مسكر"(25).
ومن كبائر الذنوب الموجبة للحرمان من الشفاعة بل هي من أوبقها البغض لعليٍّ (ع) وكذلك البغض ونصب العداء لأهل بيته (ع) فمما ورد في ذلك ما رواه الشيخ الطوسي بسنده عن ابن عباس أنَّ رسول الله (ص) قال لعليٍّ (ع): "قد أفلح مَن والاك وخاب وخسِرَ من قلاك -أي خاب وخسر من أبغضك- ثم قال: محبُّو محمدٍ (ص) محبُّوك ومبغضوه مبغضوك لا تناله شفاعة محمَّدٍ (ص)"(26). يعني أنَّ من أبغض عليَّاً(ع) فهو مبغض واقعاً لرسول الله (ص) وإنْ زعم أنَّه يُحبُّه.
وورد عن أبي جعفر عليه السلام قال: لو أنَّ كلَّ ملكٍ خلقَه اللهُ عزَّ وجلَّ وكلَّ نبيٍّ بعثَه اللهُ، وكلَّ صدِّيقٍ وكلَّ شهيد شفعوا في ناصبٍ لنا أهلَ البيتِ أنْ يُخرجَه اللهُ جلَّ وعزَّ من النار ما أخرجه اللهُ أبدا، واللهُ عزَّ وجلَّ يقول في كتابه: {مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا}"(27).
مثل هذا ليست له قابلية في أنْ تناله الشفاعة، فمفاد الرواية أنَّ الذي ينصبُ العِداء لأهل بيت النبيِّ الكريم (ص) -لو فُرض محالاً- أن تشفَّع له الأنبياء مجتمعين والصديقون والشهداء فإنَّ ذلك لن يستنقذه من عذاب الله بل سيظلُّ مخلداً فيه أبدا.
نسأل الله تعالى أنْ يمنحنا شفاعة النبيِّ الكريم (ص) وشفاعة أهل بيته (ع) وأن يثبِّتنا على ولايتهم.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
17 / ربيع الآخر / 1447ه
10 / أكتوبر / 2025م
1- سورة الضحى / 4-5.
2- سورة طه / 1-2.
3- الحدائق الناضرة -الشيخ يوسف البحراني- ج6 / ص28.
4- الاحتجاج -الطبرسي- ج1 / ص326، البرهان في تفسير القرآن -السيد هاشم التوبلاني-ج2 / ص749.
5- سورة الكهف / 6.
6- سورة القصص / 56.
7- سورة البقرة / 272.
8- سورة فاطر / 8.
9- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج24 / ص435.
10- مناقب آل أبي طالب -ابن شهراشوب- ج1 / ص202.
11- بحار الأنوار -المجلسي- ج70 / ص28.
12- مسند أحمد -أحمد بن حنبل-ج6 / ص108.
13- مناقب آل أبي طالب -ابن شهراشوب- ج3 / ص120، البرهان في تفسير القرآن -السيد هاشم التوبلاني- ج5 / ص683. وفي الدر المنثور لجلال الدين السيوطي قال: وأخرج العسكري في المواعظ وابن مردويه وابن لآل وابن النجار عن جابر بن عبد الله قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة وهي تطحن بالرحى وعليها كساء من حملة الإبل فلما نظر إليها قال يا فاطمة تعجلي فتجرعي مرارة الدنيا لنعيم الآخرة غدا فأنزل الله ولسوف يعطيك ربك فترضى " ج6 / ص361.
14- سورة الإسراء / 79.
15- بحار الأنوار -المجلسي-ج 8 / ص57.
16- تفسير مجمع البيان -الطبرسي- ج10 / ص382.
17- تفسير مجمع البيان -الطبرسي- ج10 / ص382.
18- من لا يحضره الفقيه- الصدوق- ج3 / ص574.
19- مستدرك الوسائل -النوري- ج17 / ص58.
20- الأمالي -الصدوق- ص56، عيون أخبار الرضا (ع) -الصدوق- ج1 / ص125.
21- الخصال -الصدوق- ص63.
22- قرب الإسناد -الحميري- ص64.
23- الأمالي -الصدوق- ص370.
24- عيون أخبار الرضا (ع) -الصدوق- ج2 / ص55.
25- مستدرك الوسائل -النوري- ج17 / ص58.
26- الأمالي -الطوسي- ص604.
27- ثواب الأعمال -الصدوق- ص208.