حول سورة الضحى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾
أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وخاتم النبيين، حبيب إله العالمين، أبي القاسم محمد، وعلى آله الأخيار الأبرار، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. اللهمَّ أخرجنا من ظلمات الوهم، وأكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا أبوابَ رحمتك، وانشر علينا خزائن علومك.
قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ/ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ / وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾(1).
الحديث إن شاء الله تعالى حول الآية الأولى من الآيات الثلاث التي تلوناها وهي قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ وقد اشتملت على النهي عن قهْر اليتيم، والنهيُ عن قهر اليتيم له معنيان:
المعنى الأول: هو النهيُ عن ظلمه، فالقهْر يعني الغلبة بالقوة كما في قوله تعالى على لسان فرعون: ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾(2) يعني غالبون، فالنهي عن قهر اليتيم يعني النهي عن استضعافه والتعدِّي على أمواله وحقوقه.
المعنى الثاني: هو النهيُ عن تحقيره وإذلاله وامتهانه كما في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ / فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾(3) فإنَّ دعَّه ودفعه أو تعنيفه أو زجره وتقريعه وتوبيخه بغير وجه حقٍّ نحوٌ من أنحاء التحقير والامتهان لليتيم.
هذا وقد أولى القرآنُ المجيد أهمية بالغة باليتيم فتحدَّث عن شأن اليتامى فيما يقربُ من عشرين موضعاً:
وتركَّز حديثه حول موضوعات عديدة منها ثلاثة أساسية:
الموضوع الأول: التحذير من ظلم اليتيم والتعدِّي على أمواله وحقوقه
فمِن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾(4) والأكل لمال اليتيم سيق للتعبير به عن مطلق الانتفاع بأموال اليتيم بغير وجه حقٍّ، فلأنَّ الأكل هو أجلى مصاديق الانتفاع لذلك استعملته الآية المباركة للكناية مطلق الانتفاع بغير وجه حقٍّ والاستيلاء والاستحواذ على مال اليتيم ظلماً وعدواناً.
هذا وقد توعَّدت الآيةُ الآكل لمال اليتيم ظلماً بالشقاء يوم القيامة بعذاب الله، وهو ما يدلُّ على أنَّ أكل مال اليتيم ظلماً من كبائر الذنوب، لأنَّ كلَّ ذنب توعَّد اللهُ تعالى فاعلَه بالنار فذلك الذنب من الذنوب الكبيرة.
وقد تصدَّت الروايات الواردة عن الرسول الكريم (ص) وأهل بيته (ع) للتأكيد على ما أفادته الآية المباركة، فمن ذلك ما رُوي عن النبيِّ الكريم (صلى الله عليه وآله) قال: "يُبعث ناسٌ عن قبورِهم يوم القيامة تأجَّجُ أفواهُهم نارا، فقيل له: يا رسول الله مَن هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى"(5) ومفاد هذه الرواية هو أنَّ العذاب الذي سيشقى به الآكل لمال اليتيم يبدأ من حين البعث وقبل الحساب وقبل الدخول في النار.
ومن الآيات التي تصدَّت للتحذير من ظلم اليتيم قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾(6) فهذه الآية صرَّحت بأنَّ الأكل لمال اليتيم حوبٌ كبير أي إثم كبير، فقلَّما تصف الآيات الذنب بالكبير وإنَّما نتعرَّف على كونه من كبائر الذنوب من طريق القرائن ومن طريق التهديد لفاعلِه بالنار إلا أنَّ هذه الآية صرَّحت بأن أكل مال اليتيم من كبائر الذنوب ثم أنَّها شبهت الاستحواذ على أموال اليتامى بالاستعاضة عن الطيب بالخبيث. وفي ذلك تعبيرٌ عن بشاعة هذا الفعل وقبحه.
ومن الآيات التي نهت عن ظلم اليتيم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾(7) والمُلفت أنَّ هذه الآية وردت في القرآن المجيد مرَّتين ففي إحداهما وردت في سياق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن﴾(8) وفي المرة الثانية وردت في سياق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾(9) وكأنَّها أرادت الإيحاء بأنَّ التعدِّي على مال اليتيم لا يقلُّ قبحاً وشناعةً عن مقارفة الزنا وسائر الفواحش.
ثم إنَّ النهي عن الاقتراب فيه مبالغة في النهي أكل مال اليتيم، فالمنهي عنه هو الاقتراب من مال اليتيم فضلاً عن التعدي ووضع اليد عليه وفي ذلك مبالغة في التحذير من الوقوع في هذه الموبقة. فكأن أموال اليتامى أفاعٍ أو سبع ضار يتعين عدم الاقتراب منه حذراً من افتراسه.
الموضوع الثاني: الذي تصدَّى القرآن المجيد للحديث حوله فيما يتَّصل بشأن اليتامى هو الأمر بالإحسان إلى إليهم والرعاية لهم والإرفاق بهم والعطف عليهم.
فمِن الآيات في ذلك قوله تعالى: ﴿وإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾(10) فالآية المباركة جعلت الرعاية لليتامى ضمن الميثاق الذي أخذه الله تعالى على عباده والذي لا يسوغ لهم نقضه أو التهاونُ في التقيُّد به، ونلاحظ أن الحضَّ على الرعاية لليتامى وقع في سياق الأمر بالتوحيد والعبودية لله تعالى والتي هي أصل الدين وذلك ما يعبِّر عن شديد الاهتمام بشأن اليتامى.
ويقول اللهُ تعالى في آية أخرى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين﴾(11) يعني أنَّ البرَّ ليس هو الأداءُ للصلاة وحسب بل هو الإيمان الصادقُ بالله تعالى وبأصول العقيدة وإنفاقُ المال بقصد الإخلاص لله على ذوي القربى واليتامى، فذلك هو البرُّ الكامل بل إنَّ أداء الصلاة لا يكون من البرِّ ما لم يُسهم في تعميق الإيمان بالله وتوثيق التقوى والإخلاص له، وما لم يبعث على إيتاء المال لذوي القربى واليتامى. فأداءُ الصلاء الذي لا يبعث على ذلك ليس من البرِّ في شيء.
ويقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾(12) فالإنفاق الذي هو من الخير الحقيقي هو الإنفاق الذي يبقى أثره ويكون من أثره رضوانُ الله تعالى والنعيم الدائمُ، وأما الإنفاق الذي يكون أثرُه لذةً عاجلة ومؤقتة فهو ليس من الخير الحقيقي، فالإنفاق الذي يستحقُّ وصفه بالخير هو الانفاق على الوالدين والأقربين واليتامى، فهذا النحو من الإنفاق هو الذي يستحقُّ وصفه بالخير لأنَّ أثره هو النعيم الدائم الذي لا انقطاع له ولا زوال.
ويقول الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ / فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ﴾(13) فإطعام اليتيم الجائع خصوصاً إذا كان من ذوي القرابة هو أحدُ الوسائل التي تمكِّن الانسان من تجاوز عقبة الحساب الشديد يوم القيامة.
الموضوع الثالث: الذي تصدَّى القرآن المجيد للحديث حوله فيما يتَّصل بشأن اليتامى هو إكرام اليتيم والنهي عن تحقيره والعمل على إصلاح شأنه حتى ينشأ سوياً ولا ينشأ عدوانياً ساخطاً على مجتمعه وعلى دينه: فاليتيم حين لا يجدُ من يرعاه ويُكرمه ويُعوِّضه عمَّا فقده من الرعاية والعطف قد ينشأ ناقماً على مجتمعه وعلى دينه، فيكون عنصراً يضرُّ بالمجتمع لذلك تصدت الآيات للحثِّ على إكرامه واحتضانه والرعاية لمشاعره والإصلاح لشأنه، يقول الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾(14) فالآية اعتبرت امتهان اليتيم وتحقيره وتعنيفه بمثابة التكذيب بأصلٍ من أصول العقيدة أعني يوم الدين ويوم الجزاء والحساب.
ويقول الله تعالى: مشنِّعاً على المجتمع الذي يتهاون في الرعاية الإكرام لليتيم: ﴿كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾(15) فهي بصدد التشنيع والردع عن هذا الخُلق المشين.
ويقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾(16) فالمجتمع مسئول عن العمل على إصلاح شؤون اليتامى ومزجهم في النسيج الاجتماعي دون تمييز ومخالطتهم بالمعروف واعتبارهم بمثابة الإخوة.
فهذه هي أهم الموضوعات التي تصدَّى القرآن المجيد لمعالجتها فيما يتَّصل بشأن اليتامى وقد أولت السنَّة الشريفة الواردة عن الرسول (ص) وأهل بيته (ع) اهتماماً بذات الموضوعات التي اهتمَّ القرآن بمعالجتها خصوصاً فيما يتَّصل بالتأكيد على الإحسان لليتامى والرفق بهم، فمِن ذلك ما رُوي عن النبيِّ الكريم (ص) أنَّه قال: "أنا وكافل اليتيم كهاتينِ في الجنَّة إذا أتقى الله عزَّ وجل، وأشار بالسبَّابة والوسطى"(17) وفي ذلك تعبيرٌ عن علوِّ الدرجة التي سيحظى بها الكافلُ لليتيم يوم القيامة.
ورُوي عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: "إنَّ اليتيم إذا بكى اهتزَّ لبكائه عرشُ الرحمن، فيقول الله لملائكته: يا ملائكتي! مَن أبكى هذا اليتيم الذي غُيِّب أبوه في التراب؟ فتقول الملائكة: أنتَ أعلم. فيقول اللهُ تعالى: يا ملائكتي! فإنِّي أُشهدكم أنَّ لمَن أسكته وأرضاه أنْ أرضيَه يوم القيامة"(18). فهذه الرواية تحذِّر من الإجحاف بحقِّ اليتيم أو إيذائه وإدخال الحزن على قلبِه بما يفضي إلى إبكائه، وتؤكد في ذات الوقت أنَّ من جبر قلب يتيم وأرضاه وأدخلَ السرور عليه فإنَّ جزاءه هو أنْ يرضيه الله تعالى يوم القيامة.
وورد عن الإمام عليٍّ (عليه السلام) أنَّه قال: "ما مِن مؤمنٍ ولا مؤمنةٍ يضع يده على رأس يتيمٍ ترحُّماً له إلا كتب الله له بكلِّ شعرةٍ مرَّت يدُه عليها حسنة"(19) فهذه الرواية تحثُّ على الرأفة والشفقة والعطف على اليتيم وتعويضِه عن الرحمة والحنان الذي حُرم منهما بفقده لأبيه، والأجرُ الذي تعد به هذه الرواية إنَّما هو في مقابل الرحمة الحقيقة لليتيم بعيداً عن المظاهر، فالرحمة الحقيقية هي النظر فيما يحتاجه اليتيم وإسداؤه له.
وورد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته قبل استشهاده: "اللَّه اللَّه فِي الأَيْتَامِ فَلَا تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ ولَا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ فَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه (ص) يَقُولُ: مَنْ عَالَ يَتِيماً حَتَّى يَسْتَغْنِيَ أَوْجَبَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ لَه بِذَلِكَ الْجَنَّةَ كَمَا أَوْجَبَ لآِكِلِ مَالِ الْيَتِيمِ النَّار"(20) فلا تكن رعايتكم لهم مؤقتة أو متقطعة فذلك هو معنى "فَلَا تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ" ثم نهى عن تضييعهم وإهمالهم ثم أفاد أنَّ الرسول الكريم (ص) وعد من تكفَّل بإعالة يتيمٍ حتى يستغني ويستقلَّ بشأنه وعده بالجنَّة وأنها واجبةٌ له أي أنَّ مجازاته بالجنَّة حتمي كما أن مجازاة الآكل لمال اليتيم بالنار حتميٌّ.
ورُوي كما في معاني الأخبار للشيخ الصدوق باسناده إلى أبى خالد الكابلي قال: سمعتُ زينَ العابدين عليَّ بن الحسين عليهما السلام يقول: "الذنوبُ التي تحبسُ غيثَ السماء جورُ الحكَّام في القضاء، وشهادةُ الزور، وكتمانُ الشهادة، ومنعُ الزكاةِ والقرضِ والماعونِ، وقساوةُ القلوب على أهل الفقرة والفاقة، وظلمُ اليتيم والأرملة، وانتهارُ السائل وردُّه بالليل .."(21) أي أنَّ من الذنوب التي تحبس الرحمة عن العباد هو ظلم اليتيم فالحبس لغيث السماء معناه الحبس للرحمة الإلهيَّة.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
8 / جمادى الأولى / 1447ه
31 / أكتوبر / 2025م
1- سورة الضحى / 9-11.
2- سورة الأعراف / 127.
3- سورة الماعون / 1-2.
4- سورة النساء / 10.
5- مستدرك الوسائل -النوري- ج13 / ص191.
6- سورة النساء / 2.
7- سورة الأنعام / 152.
8- سورة الأنعام / 151.
9- سورة الإسراء / 32.
10- سورة البقرة / 83.
11- سورة البقرة / 177.
12- سورة البقرة / 215.
13- سورة البلد / 11-15.
14- سورة الماعون / 1-2.
15- سورة الفجر / 17.
16- سورة البقرة / 220.
17- تفسير مجمع البيان -الطبرسي- ج10 / ص352.
18- تفسير مجمع البيان -الطبرسي- ج10 / ص385.
19- ثواب الأعمال -الشيخ الصدوق- ص199.
20- نهج البلاغة -خطب الإمام علي- ص421.
21- معاني الأخبار -الشيخ الصدوق- ص271.