الشهادة بقيء الخمر هل يثبت بها الحدُّ
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
هل يثبتُ الحدُّ على شارب الخمر لو شهد عليه أحد الشاهدين بأنَّه رآه يشرب الخمر وشهد عليه الثاني بأنَّه رآه يقيئها ولم يره يشربها؟
الجواب:
المشهور بين الفقهاء كما أفاد صاحب الجواهر(1) هو ثبوت الحد بذلك بل نُسب لابن إدريس في السرائر والتنقيح وظاهر الخلاف للشيخ الطوسي(2) دعوى الإجماع على ذلك وكذلك هو الظاهر مما أفاده في المبسوط حيث قال: "وعندنا إذا تقيأ ذلك أقيم عليه الحد به"(3).
والمستند في ذلك هو رواية: الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) عَنْ أَبِيه (ع) قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِقُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ وقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَشَهِدَ عَلَيْه رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا خَصِيٌّ وهُوَ عَمْرٌو التَّمِيمِيُّ، والآخَرُ الْمُعَلَّى بْنُ الْجَارُودِ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّه رَآه يَشْرَبُ، وشَهِدَ الآخَرُ أَنَّه رَآه يَقِيءُ الْخَمْرَ، فَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه فِيهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فَقَالَ لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع): مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ فَإِنَّكَ الَّذِي قَالَ فِيكَ رَسُولُ اللَّه (ص): أَنْتَ أَعْلَمُ هَذِه الأُمَّةِ وأَقْضَاهَا بِالْحَقِّ، فَإِنَّ هَذَيْنِ قَدِ اخْتَلَفَا فِي شَهَادَتِهِمَا قَالَ: مَا اخْتَلَفَ فِي شَهَادَتِهِمَا ومَا قَاءَهَا حَتَّى شَرِبَهَا .."(4).
والرواية وإن اشتمل سندُها على من لم تثبت وثاقته إلا أنَّ عمل المشهور بمضمونها يجبرُ ضعفَ سندها، ولهذا فهي واجدة للحجيَّة وصالحة للاستناد.
هذا وقد أفاد السيد الخوئي(5) أنَّ الشهادة بالقيء شهادة في المآل بالشرب، فالبيِّنة بذلك تكون تامَّة وبه يثبتُ عليه الحدُّ بقطع النظر عن ثبوت الحجيَّة للرواية المذكورة، نعم لو احتمل الإكراه أو الاشتباه لم يثبت عليه الحدُّ إذا لم يكن المستند هو الرواية، وذلك لأنَّ القيء لا يُثبِت أكثر من تحقُّق الشرب فهو لا ينفي الإكراه والاشتباه، فمع احتمال أحدهما لا يثبت بشهادة القيء الشرب الاختياري الموجب للحد، ولذلك يُدرأ عنه الحد مع احتمال الإكراه أو الاشتباه. وهذا بخلاف ما لو كان المستند هو الرواية فإنَّه يمكن التمسُّك بإطلاقها وظهورها في ثبوت الحدِّ بشهادة أحد الشاهدين بالشرب والآخر بالقيء سواءً أحتُمل الإكراه أو الاشتباه أو لا.
إلا أنَّ الصحيح ظاهراً أنَّه إذا كانت الشهادة بالقيء المنضمَّة إلى الشهادة بالشرب بيِّنة تامَّة بقطع النظر عن الرواية فهي حجَّة في ثبوت الحدِّ مطلقاً حتى مع احتمال الإكراه والاشتباه. تماماً كما هو الشأن في مطلق البيِّنة.
فالصحيح ظاهراً أنَّ الشهادة بالقيء المنضمَّة إلى الشهادة بالشرب ليست بيِّنة تامَّة بقطع النظر عن الرواية لأنَّ الشهادة بالقيء ليست شهادة على الشرب حسَّاً وإنَّما هي شهادة على الشرب بالملازمة العقليَّة، ولهذا فمستندُ البناء على ثبوت الحدِّ هو التعبُّد بحجيَّة الرواية. وإلا فلو لم تكن الرواية أو لم تكن واجدة للحجيَّة فإنَّ الشهادة بالقيء لا يثبت بها الحدُّ، لأنَّ حدَّ الشرب للخمر إنَّما يثبت بالشهادة على الشرب للخمر حسَّاً، والشهادة بالقيء ليست كذلك، فهي وإن كان تدلُّ على الشرب ولكن من طريق الحدس والملازمة العقليَّة والتي هي غير معتبرة في البيِّنات إلا في الموارد التي قام الدليل الخاصُّ على اعتبارها.
إذا كانت كلا الشهادتين بقيء الخمر:
وممَّا ذكرناه يتَّضح عدم ثبوت الحدِّ بشهادة اثنين على رؤيتهما لرجلٍ يتقيأ الخمر، فإنَّ الشهادة المصحِّحة لإقامة الحدِّ هي الشهادة على الشرب حسَّاً، والشهادة على القيء ليست شهادة حسيَّة على الشرب وإنَّما هي شهادة على الشرب بالحدس والملازمة العقليَّة، ولا يصحُّ التعدِّي من مورد الرواية إلى مفروض المسألة، وذلك لاحتمال أنَّ لكون إحدى الشهادتين حسَّية في مفروض الرواية دخلاً في الحكم بثبوت الحد.
نعم قد يقال: إنَّ التعليل الوارد في الرواية وهي قوله (ع): "ومَا قَاءَهَا حَتَّى شَرِبَهَا" ظاهرٌ في أنَّ قيء الخمر يُصحِّح الشهادة على الشرب مطلقاً، ولهذا لا يكون ثمة فرق بين افتراض أنَّ أحدهما شهد بالقيء وبين افتراض أنَّهما معاً شهدا بالقيء، وذلك لأنَّ الشهادة بالقيء منزَّلةٌ -بحسب ظاهر الرواية- منزلة الشهادة على الشرب، نعم لا يصحُّ التعدي من القيء إلى سائر الأمارات كالرائحة أو الترنُّح وذهاب العقل، وأما القيء فهو مُصحِّح للشهادة مطلقاً بحسب ظاهر الرواية، ولهذا لا فرق بين افتراض كون إحدى الشهادتين بالقيء وبين افتراض أنَّ كلا الشهادتين كانت بالقيء فإن الشهادة بالقيء شهادةٌ بالشرب بحسب مفاد الرواية المعتبرة.
ولهذا صرَّح الشيخ -كما أفاد صاحب الجواهر- بعدم الفرق بين الفرضين وأفاد بعضهم أن ذلك هو مبنى المشهور، نعم تردَّد جماعة منهم العلامة وابن طاووس كما أفاد صاحب الجواهر(6) وذلك لاحتمال الإكراه الموجب لدرء الحد وهذا الاحتمال وإن كان بعيداً ولكنَّه قائم وبه يتعيَّن درء الحد لأنَّه يُدرأ بالشبهة.
إلا أنَّه أجيب بأنَّه لو كان مكرها لدفع به عن نفسه فإذا لم يدفع عن نفسه بأنَّه كان مكرهاً فإنَّ مجرَّد الاحتمال لا يصحِّح درء الحدِّ.
وكذلك أفاد بعض الأعلام بأنَّ الشهادة بالقيء وإنْ كان شهادةً على الشرب ولكنها ليست شهادة على الشرب الاختياري، ولهذا لا يثبت الحدُّ في فرض أنَّ كلا الشهادتين كانت بالقيء.
والجواب عن ذلك أنَّ الشهادة على الشرب نُزِّلت منزلة الشهادة على الشرب، فإمَّا أنْ يُلتزم بحجيتها في الفرضين أو يُلتزم بعدم حجيتها في الفرضين، وأمَّا التفريق والبناء على حجيتها في الفرض الأول -والذي هو مورد الرواية- دون الفرض الثاني فهو بلا وجهٍ، فإذا كان المانع من حجيَّة الشهادة بالقيء هو أنّها لا تدلُّ على الشرب الاختياري فهذا المانع كما هو موجود في الفرض الثاني فهو موجودٌ في الفرض الأول والذي تمَّ الالتزام بحجيتها فيه.
فالصحيح هو ملاحظة ما يقتضيه ظهور الرواية، وهي ظاهرةٌ -كما تقدَّم- في أنَّ الشارع اعتبر الشهادة بالقيء بمنزلة الشهادة بالشرب مطلقاً، نعم بناء على عدم حجيَّة الرواية لا يثبت الحدُّ بالشهادة بالقيء مطلقاً سواءً كانت كلا الشهادتين بالقيء أو كانت إحداهما بالقيء والأخرى بالشرب.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
17 / جمادى الأولى / 1447ه
9 / نوفمبر / 2025م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص462.
2- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص462، الخلاف -الشيخ الطوسي- ج5 / ص492.
3- المبسوط -الشيخ الطوسي- ج8 / ص61.
4- الكافي -الكليني- ج7 / ص401، من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج3 / ص42، تهذيب الأحكام -الطوسي- ج6 / ص281، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص239.
5- مباني تكملة المنهاج -السيد الخوئي- ج41 / ص335.
6- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص463.