حكم المُستحِلِّ للخمر وسائر المُسكرات
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
ما هو حكم مَن شربَ الخمرَ مستحلَّاً له بأنْ كان يزعم أنَّه يشربه لأنَّه حلال؟ وهل يختلف الحكم بين استحلال الخمر واستحلال سائر المسكرات؟
الجواب:
حكم المستحل لشرب الخمر جهلاً:
إذا كان الشرب عن استحلال ناشئاً عن الجهل بتحريم الإسلام للخمر لقرب عهده بالإسلام أو لأنَّه نشأ في بلدٍ كافر فنتج عن ذلك جهله بضرورات الإسلام ففي مثل هذا الفرض لا يحكم بارتداده بل ولا يُقام عليه حدُّ شرب الخمر بلا خلافٍ بين الفقهاء رضوان الله عليهم كما أفاد صاحب الجواهر(1).
ويدلُّ على ذلك رواياتٌ مستفيضة عن أهل البيت (ع)
منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لو أنَّ رجلاً دخل في الاسلام وأقرَّ به، ثم شرب الخمر وزنى وأكل الربا ولم يتبيَّن له شيءٌ من الحلال والحرام، لم أُقم عليه الحدَّ إذا كان جاهلاً، إلا أنْ تقوم عليه البيِّنة أنَّه قرأ السورة التي فيها الزنا والخمر وأكل الربا، وإذا جهل ذلك أعلمتُه وأخبرتُه، فإن ركبه بعد ذلك جلدتُه وأقمتُ عليه الحد"(2).
ومنها: معتبرة أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع): لَوْ وَجَدْتُ رَجُلاً مِنَ الْعَجَمِ أَقَرَّ بِجُمْلَةِ الإِسْلَامِ لَمْ يَأْتِه شَيْءٌ مِنَ التَّفْسِيرِ زَنَى أَوْ سَرَقَ أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ أُقِمْ عَلَيْه الْحَدَّ إِذَا جَهِلَه إِلَّا أَنْ تَقُومَ عَلَيْه بَيِّنَةٌ أَنَّه قَدْ أَقَرَّ بِذَلِكَ وعَرَفَه"(3).
ومنها: صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ قُلْتُ لأَبِي جَعْفَرٍ ع رَجُلٌ دَعَوْنَاه إِلَى جُمْلَةِ مَا نَحْنُ عَلَيْه مِنْ جُمْلَةِ الإِسْلَامِ فَأَقَرَّ بِه ثُمَّ شَرِبَ الْخَمْرَ وزَنَى وأَكَلَ الرِّبَا ولَمْ يَتَبَيَّنْ لَه شَيْءٌ مِنَ الْحَلَالِ والْحَرَامِ أُقِيمَ عَلَيْه الْحَدُّ إِذَا جَهِلَه قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَقُومَ عَلَيْه بَيِّنَةٌ أَنَّه قَدْ كَانَ أَقَرَّ بِتَحْرِيمِهَا"(4).
ومنها: موثقة ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: شَرِبَ رَجُلٌ الْخَمْرَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ فَرُفِعَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَه: أشَرِبْتَ خَمْراً؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: ولِمَ وهِيَ مُحَرَّمَةٌ؟ قَالَ: فَقَالَ لَه الرَّجُلُ: إِنِّي أَسْلَمْتُ وحَسُنَ إِسْلَامِي ومَنْزِلِي بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمٍ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ ويَسْتَحِلُّونَهَا، ولَوْ عَلِمْتُ أَنَّهَا حَرَامٌ اجْتَنَبْتُهَا، فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: مُعْضِلَةٌ ولَيْسَ لَهَا إِلَّا أَبُو الْحَسَنِ قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ادْعُ لَنَا عَلِيّاً فَقَالَ عُمَرُ: يُؤْتَى الْحَكَمُ فِي بَيْتِه فَقَامَا والرَّجُلُ مَعَهُمَا ومَنْ حَضَرَهُمَا مِنَ النَّاسِ حَتَّى أَتَوْا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فَأَخْبَرَاه بِقِصَّةِ الرَّجُلِ وقَصَّ الرَّجُلُ قِصَّتَه قَالَ: فَقَالَ: ابْعَثُوا مَعَه مَنْ يَدُورُ بِه عَلَى مَجَالِسِ الْمُهَاجِرِينَ والأَنْصَارِ مَنْ كَانَ تَلَا عَلَيْه آيَةَ التَّحْرِيمِ فَلْيَشْهَدْ عَلَيْه فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِه، فَلَمْ يَشْهَدْ عَلَيْه أَحَدٌ بِأَنَّه قَرَأَ عَلَيْه آيَةَ التَّحْرِيمِ فَخَلَّى عَنْه وقَالَ لَه: إِنْ شَرِبْتَ بَعْدَهَا أَقَمْنَا عَلَيْكَ الْحَدَّ"(5).
فهذه الروايات ظاهرةٌ في أنَّه لا حدَّ على مَن شرب الخمر جهلاً بحرمتها بل لا حدَّ عليه وإنْ كان يرى حلِّيتها إذا نشأ ذلك عن الجهل بحرمتها كما هو الواضح من قول الرَّجُلُ في موثقة ابن بكير:"إِنِّي أَسْلَمْتُ وحَسُنَ إِسْلَامِي ومَنْزِلِي بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمٍ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ ويَسْتَحِلُّونَهَا، ولَوْ عَلِمْتُ أَنَّهَا حَرَامٌ اجْتَنَبْتُهَا" فإنَّه بحسب إقراره شرب الخمر مستحلاً شربها لكنَّ استحلاله لشربها نشأ عن كونه حديث عهد بالإسلام وكونه يقطن بين ظهراني قومٍ يستحلُّونها فذلك هو ما نشأ عنه الجهل بحرمتها والاعتقاد بحلِّيتها فدرأ الإمام (ع) عنه الحدَّ بعد عدم ثبوت علمِه بالحرمة.
حكم المُستحِلِّ للخمر عن علمٍ والتفات للملازمة:
وأما لو كان منشأ شرب المكلَّف للخمر هو استحلالُها بعد العلم بتحريم الإسلام لها، ولم ينشأ ذلك عن شبهةٍ فلا إشكال في استحقاقه للحدِّ، وهل يحكم عليه في هذا الفرض بالارتداد عن الإسلام؟
فجوابه: إذا ثبت أنَّه كان ملتفتاً إلى أنَّ استحلاله للخمر ملازمٌ للتكذيب للرسول (ص) والإنكار للرسالة وللقرآن المجيد فلا إشكال في الحكم بارتداده وترتيب أحكام الردَّةِ عليه من القتل وبينونة زوجته منه وتقسيم تركته على ورثته، وأمَّا إذا لم يكن ملتفتاً للملازمة فلا يُحكم بردَّته عن الإسلام.
دعوى لزوم الاستتابة وجوابها:
هذا وقد نُسب إلى عددٍ من الأعلام رحمهم الله القول بأنَّ المستحِلَّ للخمر وإنْ كان مُلتفتاً للملازمة فإنَّه لا تترتب عليه أحكام الردَّة إلا بعد أنْ يُستتاب، فإنْ تاب قٌبلت توبتُه وإلا فهو مرتدٌّ تترتَّب عليه أحكام الردَّة.
وأُجيب عن ذلك بأنَّه لا دليل على تخصيص حكم المرتد عن فطرة بالمورد المذكور، وهو المستحِل للخمر، نعم لو كان ارتدادُه عن ملَّةٍ فإنَّه يُستتاب ولكن ذلك لا يختصُّ بالمستحلِّ للخمر بل يشملُ مطلق المرتدِّ عن ملَّة، وأمَّا المرتدُّ عن فطرة فإنَّه لا يُستتاب مطلقاً.
وأمَّا ما استدلَّ به على دعوى أنَّ المستحِلَّ للخمر يُستتاب فروايتان لا تصلحانِ لإثبات الدعوى:
الرواية الأولى: أوردها الشيخ المفيد في الإرشاد قال: روت العامة والخاصة أن قدامة بن مظعون شرب الخمر فأراد عمر أنْ يحدَّه، فقال: لا يجبُ عليَّ الحدُّ، إنَّ الله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا﴾(6) فدرأ عنه عمرُ الحدَّ، فبلغ ذلك أميرَ المؤمنين (عليه السلام) فمشى إلى عمر فقال: ليس قدامة من أهل هذه الآية، ولا مَن سلك سبيله في ارتكاب ما حرَّم الله، إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يستحلُّون حراماً فارددْ قدامة فاستتبْه ممَّا قال: فإنْ تاب فأقِمْ عليه الحدَّ، وإنْ لم يتبْ فاقتله، فقد خرج من الملَّة، فاستيقظ عمر لذلك وعرف قدامة الخبر، فأظهر التوبة والإقلاع فدرأ عنه القتل، ولم يدرِ كيف يحدُّه، فقال لعليٍّ (عليه السلام): أشِرْ عليَّ، فقال: حدَّه ثمانين جلدة، إنَّ شارب الخمر إذا شربها سكر وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فجلده عمرُ ثمانين جلدة"(7).
فهذه الرواية وإنْ كانت ظاهرة في أنَّه شرب الخمر مستحلاً لها كما لعلَّه الظاهر من قوله: "لا يجب عليَّ الحد" وكما يظهر من قول الإمام (ع) -بحسب الرواية- "إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يستحلُّون حراماً" لكنَّها ليست ظاهرةً في ارتداده بمعنى انكاره للرسالة بل هي تدلُّ على إيمانه بالقرآن، فلعلَّ الأمر باستتابته هو إلفات نظره إلى أنَّ مآل كلامه ينتهي إلى الكفر فإنَّ تاب منه يعنى رجع عن كلامه وإلا يكون قد كفر بعد إلفات نظره إلى لازم كلامه، وبذلك يخرج من الملَّة فيستحقُّ القتل، وأمَّا أنَّ لازم كلامه هو الكفر فهو قد زعم أنَّ المحرمات مباحة للذين آمنوا وعملوا الصالحات وهو منافٍ لضرورة الدين، فالالتزام بذلك بعد لفت نظره للازم هذا الكلام معناه التكذيب والإنكار لما ثبتَ عن الرسول الكريم (ص) فالأمر بالاستتابة لا يعدو كونه أمراً بالتنبيه إلى ما يلزم من كلامه. على أنَّ الرواية فاقدةٌ للحجيَّة لكونها مرسلة بل لا تخلو من اضطراب.
الرواية الثانية: صحيحة عَبْدِ اللَّه بْنِ سِنَانٍ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه (ع) الْحَدُّ فِي الْخَمْرِ إِنْ شُرِبَ مِنْهَا قَلِيلاً أَوْ كَثِيراً قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بِقُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ وقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، وقَامَتْ عَلَيْه الْبَيِّنَةُ، فَسَأَلَ عَلِيّاً (ع) فَأَمَرَه أَنْ يَجْلِدَه ثَمَانِينَ، فَقَالَ: قُدَامَةُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ عَلَيَّ حَدٌّ أَنَا مِنْ أَهْلِ هَذِه الآيَةِ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ قَالَ: فَقَالَ عَلِيٌّ (ع): لَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا إِنَّ طَعَامَ أَهْلِهَا لَهُمْ حَلَالٌ لَيْسَ يَأْكُلُونَ ولَا يَشْرَبُونَ إِلَّا مَا أَحَلَّه اللَّه لَهُمْ ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ (ع): إِنَّ الشَّارِبَ إِذَا شَرِبَ لَمْ يَدْرِ مَا يَأْكُلُ ولَا مَا يَشْرَبُ فَاجْلِدُوه ثَمَانِينَ جَلْدَةً"(8).
وهذه الرواية ليس فيها أمرٌ بالاستتابة كما أنَّها لم تشتمل على الأمر بالقتل، كما أنَّه لا يظهر من الرواية أن الإمام (ع) فهم من كلام قدامه ما يقتضي الارتداد، فغايةُ ما يظهر من كلام قدامة أنَّه فهم الآية فهماً خاطئاً فتصدَّى الإمام (ع) لتصحيح فهمه الخاطئ للآية، وأمر بإقامة الحدِّ عليه لكونه عالماً بحرمة الخمر وإنْ كان يتوهم أنَّه لا يستحقُّ أنْ يقام عليه الحدُّ، وعلى أيِّ تقدير فالرواية لا دلالة فيها على الأمر بالاستتابة بل هي أجنبية ظاهراً عن مورد البحث.
حكم المستحلِّ لسائر المسكرات:
وأمَّا الاستحلال لسائر المسكرات فإنَّ نشأ ذلك عن الجهل فلا يستحقُّ المستحلُّ لها الحدَّ، ولا تترتَّب على استحلاله أحكام الردَّة، وكذلك لا تترتَّب أحكام الردَّة لو زعم حليَّة المسكرات رغم علمه بالحرمة إذا لم يكن ملتفتاً إلى الملازمة بين الاستحلال والانكار للرسالة، نعم يكون في هذا الفرض مستحقَّاً للحدِّ ثمانين جلدة، وأمَّا مع العلم والالتفات إلى الملازمة فالحكم في هذا الفرض هو ترتيبُ أحكام الردَّة مع الأخذ في الاعتبار قبل ترتيب أحكام الردَّة التثبُّت من الالتفات للملازمة، وذلك لأنَّ حرمة المسكرات ليست في الوضوح كحرمة الخمر.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
19 / جمادى الأولى / 1447ه
11 / نوفمبر / 2025م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص454.
2- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص55، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص32.
3- الكافي -الكليني- ج7 / ص249، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج 28 / ص32.
4- الكافي -الكليني- ج7 / ص248، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج 28 / ص32.
5- الكافي -الكليني- ج7 / ص216، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج 28 / ص332.
6- سورة المائدة / 93.
7- الارشاد -المفيد- ج1 / ص203. وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص220.
8- الكافي -الكليني- ج7 / ص215، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص222.