الحدُّ الشرعي المفروض في التفخيذ
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
ما هو الحدُّ المفروض في التفخيذ والذي هو دون الإيقاب؟
الجواب:
المشهور بين الفقهاء رضوان الله عليهم أنَّ حدَّ التفخيذ هو الجلد مائة جلدة، وأفاد صاحب الجواهر أنَّ ذلك هو ما عليه سائر المتأخِّرين، فلم يقع الخلاف بينهم في ذلك، ونسب للسيد المرتضى التصريح بالإجماع على ذلك في الانتصار، وأفاد أنَّ ذلك هو ظاهر الغنية لابن زهرة(1).
وفي المقابل نُسب للشيخ الطوسي في النهاية والخلاف وللقاضي وجماعة الفتوى برجم المُحصن وجلد غير المحصن، ونُسب للصدوقين والإسكافي القول بأنَّ الحدَّ فيما دون الإيقاب هو القتل مطلقاً للمُحصن وغير المُحصن(2).
مستند المشهور في أنَّ حدَّ التفخيذ هو الجلد:
ويُمكن الاستدلال لما عليه المشهور من أنَّ الحدَّ في التفخيذ هو الجلد كحدِّ الزاني يُمكن الاستدلال لذلك بصحيحة أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: سَمِعْتُه يَقُولُ: "إِنَّ فِي كِتَابِ عَلِيٍّ (ع) إِذَا أُخِذَ الرَّجُلُ مَعَ غُلَامٍ فِي لِحَافٍ مُجَرَّدَيْنِ ضُرِبَ الرَّجُلُ وأُدِّبَ الْغُلَامُ، وإِنْ كَانَ ثَقَبَ وكَانَ مُحْصَناً رُجِمَ"(3).
فقوله: "ضُربَ الرجل" ظاهرٌ في إرادة الحدِّ الشرعي، وليس مسمَّى الضرب أو التعزير بقرينة قوله: "أُدِّب الغلام" الظاهر في التعزير، ويُؤكد إرادة الحدِّ الشرعي من قوله: "ضرب الرجل" ما أفاده من أنَّه إذا ثقب وكان مُحصناً رجم فبقرينة المقابلة بين الضرب والرجم يكون المستظهر من الضرب هو ضرب الحدِّ والذي هو الجلد مائة جلدة، كما أنَّ قوله (ع): "وإنْ كان ثقب" موجبٌ لاستظهار أنَّ الرجل فعل في الفرض الأول ما هو دون الثقب وهو التفخيذ، ولذلك كان حكمه الضرب دون الرجم. فالرواية ظاهرةٌ فيما عليه المشهور، ولو قيل إنَّ الرواية مطلقة فإنَّ ما دون الثقب يصدقُ على التفخيذ وغيره قلنا إنَّها تشمل بإطلاقها التفخيذ، وبذلك تكون صالحةً لإثبات أنَّ حدَّ التفخيذ هو الجلد، وأمَّا غير التفخيذ فيُلتزم فيه بالتعزير بقرينة الروايات الأخرى يعني أنَّ الروايات الأخرى التي أفادت أنَّ حكم غير التفخيذ هو التعزير بما دون الحدِّ تكون صالحة لتقييد هذه الصحيحة.
وكذلك يُمكن الاستدلال أو التأييد برواية سليمان بن هلال قال: سأل بعضُ أصحابنا أبا عبد الله عليه السلام فقال: جعلتُ فداك الرجل ينامُ مع الرجل في لحافٍ واحد فقال: ذو محرم؟ قال: لا، قال: مِن ضرورة؟ قال: لا، قال: يُضربان ثلاثين سوطاً ثلاثين سوطاً، قال: فإنَّه فعل؟ قال: إنْ كان دون الثقب فالحدُّ، وإنْ هو ثقبَ أُقيم قائماً ثم ضُرب ضربةً بالسيف أخذ السيفُ منه ما أخذَه، قال: فقلتُ له: فهو القتل؟ قال: هو ذاك .."(4).
فقوله: "إنْ كان دون الثقب فالحدُّ" ظاهرٌ في الحدِّ الشرعي وهو الجلد مائة جلدة، وليس الرجم، ويؤيِّد ذلك ما ورد في صحيحة أبي بصير والتي عبَّرتْ بالضرب المقابل للرجم، والمراد من الفعل في قوله: "فإنَّه فعل" هو التفخيذ بقرينة المقابلة بينه وبين مَن ثقب، فالفعل بما دون الثقب هو التفخيد. وقد أفاد الإمام - بحسب الرواية أنَّ عليه الحد وذلك في مقابل من لم يفعل فإنَّ عليه التعزير ثلاثين سوطاً.
فهذه الرواية صالحة للاستدلال بها على ما عليه المشهور بناءً على انجبار ضعفها بعملهم وإلا فهي صالحة للتأييد.
وكذلك يُمكن الاستدلال أو تأييد ما عليه المشهور بمرفوعة أَبِي يَحْيَى الْوَاسِطِيِّ رَفَعَه قَالَ: سَأَلْتُه عَنْ رَجُلَيْنِ يَتَفَاخَذَانِ؟ قَالَ: حَدُّهُمَا حَدُّ الزَّانِي، فَإِنِ ادَّعَمَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِه ضُرِبَ الدَّاعِمُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَخَذَتْ مِنْه مَا أَخَذَتْ وتَرَكَتْ مِنْه مَا تَرَكَتْ يُرِيدُ بِهَا مَقْتَلَه، والدَّاعِمُ عَلَيْه يُحْرَقُ بِالنَّارِ"(5) فإنَّ هذه الرواية صريحةٌ في أنَّ حدَّ التفخيذ هو حدُّ الزاني، والذي هو الجلد بقرينة صحيحة أبي بصير والتي عبَّرت بالضرب ثم إنَّ الرواية أفادت أنَّه لو وقع الدعم وهو الإيلاج فحدُّ الداعم هو القتل بالسيف.
مستند القائلين بأنَّ حدَّ التفخيذ للمُحصن هو الرجم:
وأمَّا ما نُسب للشيخ وجماعة من الأعلام من أنَّ حدَّ التفخيذ للمُحصن هو الرجم فلعلَّ مدركهم هو ما ورد في مرفوعة الواسطي من أنَّ حدَّ التفخيذ هو حدُّ الزاني، ومن المعلوم أن حدَّ الزاني المُحصن هو الرجم إلا أنَّه ونظراً لضعف الرواية لا يمكن الاستناد إليها، على أنَّ صحيحة أبي بصير صالحة لتفسير المراد من الحدِّ وأنَّه الجلد كما تقدم، وكذلك هو الشأن في رواية سليمان بن هلال فإنَّها وإنْ عبَّرت بالحد إلا أنَّ المستظهر من الحدِّ هو الجلد بقرينة صحيحة أبي بصير هذا مضافاً إلى أنَّ الكليني أورد ذات الرواية ولكنَّه ذكر بدلاً من لفظ الحد لفظ الجلد، فقد روى بسنده عن سُلَيْمَانَ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فِي الرَّجُلِ يَفْعَلُ بِالرَّجُلِ قَالَ: فَقَالَ: إِنْ كَانَ دُونَ الثَّقْبِ فَالْجَلْدُ وإِنْ كَانَ ثَقَبَ أُقِيمَ قَائِماً ثُمَّ ضُرِبَ بِالسَّيْفِ ضَرْبَةً أَخَذَ السَّيْفُ مِنْه مَا أَخَذَ فَقُلْتُ لَه هُوَ الْقَتْلُ قَالَ هُوَ ذَلِكَ"(6).
مستند القائلين بأنَّ حدَّ التفخيذ هو القتل مطلقاً:
وأمَّا ما نُسب للصدوقين والإسكافي من أنَّ حدَّ التفخيذ هو القتل مطلقاً للمُحصن وغير المُحصن فلعلَّ مدركهم هو صحيحة الحسين بن سعيد قال: قرأتُ بخطِّ رجلٍ أعرفه إلى أبى الحسن عليه السلام، وقرأت جواب أبي الحسن عليه السلام بخطِّه: هل على رجل لعب بغلامٍ بين فخذيه حدٌّ فإنَّ بعض العصابة روى أنَّه لا بأس بلعبِ الرجل بالغلام بين فخذيه؟ فكتب: لعنةُ الله على مَن فعل ذلك، وكتب أيضاً هذا الرجل، ولم أرَ الجواب: ما حدُّ رجلين نكح أحدُهما الآخر طوعاً بين فخذيه؟ وما توبتُه؟ فكتب: القتلُ، وما حدُّ رجلين وُجدا نائمين في ثوبٍ واحدٍ فكتب عليه السلام: مائة سوط"(7).
وموضع الشاهد من الرواية هو الجزء الثاني منها والتي صرَّح الحسين بن سعيد أنَّه لم يرَ الجواب والمفترض أنَّ الرجل الذي أخبره بجواب الإمام (ع) وهو الكاتب مجهول ولذلك فموضع الاستدلال من الرواية ساقطٌ عن الاعتبار.
وأمَّا الاستدلال على أفتى به الصدوقان والإسكافي بمعتبرة السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع): "اللِّوَاطُ مَا دُونَ الدُّبُرِ، والدُّبُرُ هُوَ الْكُفْرُ"(8).
فليس لها ظهور في بيان الحدِّ وإنَّما هي بصدد بيان الحكم التكليفي وأنَّ اللواط فيما دون الدبر حرام وبما في الدبر على حدِّ الكفر في الشناعة وسوء المنقلب، وكذلك هو مفاد رواية حذيفة بن منصور قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اللواط؟ فقال: ما بين الفخذين، وسألتُه عن الذي يوقب؟ فقال: ذاك الكفر بما أنزل الله على نبيِّه (صلى الله عليه وآله)"(9).
فإنَّ مفاد الرواية هو أنَّ اللواط الذي شدَّدت الروايات على النهي عنه والتشنيع على فاعله هو ما كان بين الفخذين، وأمَّا الإيقاب فهو على حدِّ الكفر بما أنزل اللهُ تعالى على نبيِّه (ص) في الشناعة وسوء العاقبة.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
3 / جمادى الآخر / 1447ه
26 / نوفمبر / 2025م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص382.
2- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص383.
3- الكافي -الكليني- ج7 / ص200، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص159.
4- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص41، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص90.
5- الكافي -الكليني- ج7 / ص201، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص159.
6- الكافي -الكليني- ج7 / ص200.
7- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص56، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص155.
8- الكافي -الكليني- ج5 / ص544، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج20 / ص339.
9- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج20 / ص340.