حديث حول ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ ..﴾ -3
أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاه والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين وخاتم النبيين حبيب اله العالمين أبي القاسم محمد وعلى آله الأخيار الأبرار الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيرا.
أللهمَّ أخرجنا من ظلمات الوهم وأكرمنا بنور الفهم وافتح علينا أبواب رحمتك وانشر علينا خزائن علومك.
قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد بسم الله الرحمن الرحيم ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا / إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا / إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾(1) صدق الله مولانا العلي العظيم
بدأت سورة الإنسان بأداةٍ من أدوات الاستفهام وهي كلمة "هل" وتُستعمل أدوات الاستفهام بشكلٍ عام لطلبِ الفهم وللاستعلام، فحينما يريد الانسان أنْ يتعرَّف أو أن يستعلم أو أنْ يستخبرَ عن شانٍ من الشؤون فإنَّه يستعمل لذلك واحداً من أدوات الاستفهام كهل مثلاً أو همزة الاستفهام أو كلمة كيف أو متى أو أين أو غيرها من الأدوات الموضوعة في لغة العرب للاستفهام.
معنى الاستفهام الحقيقي:
ثم إنَّ الاستفهام قد يكون حقيقيَّاً وهو الذي يكون لغرض الاستعلام، ولغرض الاستخبار أو لغرض طلب المعرفة وطلب العلم، فحينما يجهل الانسان -مثلاً - أنَّ الشمس قد أشرقت أو لا فإنَّه يسال من يصادفه: هل أشرقت الشمس؟ هذا السؤال، وهذا الاستفهام حقيقيٌّ لأنَّ السائل يطلب من استفهامه الاستعلام عن أمرٍ يجهله، فهو يجهل أنَّ الشمس أشرقت أو لم تُشرق لذلك يسال ويُصدِّر كلامه بواحدٍ من أدوات الاستفهام، هذا الاستفهام هو الاستفهام الحقيقي لانَّه جيء به لغرض الاستعلام ولغرض الاستخبار، ولغرض طلب المعرفة وطلب العلم بشيء يجهله.
من موارد استعمال أدوات الاستفهام:
وقد تُستعمل أدوات الاستفهام لأغراضٍ أخرى غير الاستعلام وغير الاستخبار وغير طلب المعرفه كاكثر الاستفهامات التي وردت في القرآن المجيد، فالله عزَّوجلَّ حينما يُصدِّر آيةً مثلاً أو فقرةً من فقرات آيةٍ من آيات القرآن المجيد فإنَّه تعالى لا يستفهم ولا يستعلم، فهو جلَّ وعلا يعلم بكلَّ شيء ولا يعزب عنه من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فهو تعالى يستعمل أدوات الاستفهام لأغراضٍ أخرى غير الاستعلام و طلب المعرفة والعلم.
فمِن ذلك هذه الآية الشريفة التي هي مطلع سورة الإنسان: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ فهنا لا تستفهم الآية استفهاماً حقيقيَّاً بل يريد الله تعالى من استعمال الاستفهام معنىً آخر غير الاستعلام وهو التقرير، فقد يأتي الاستفهام لغرض التقرير، وقد يأتي الاستفهام لغرض التشجيع، وقد يأتي الاستفهام لغرض الاستنكار، وقد ياتي لغرض التوبيخ، وقد يأتي لغرض النفي، وقد ياتي الاستفهام لغرض التقرير.
فهناك أغراضٌ عديدةٌ ذكرها علماء البيان والمعاني وعلماء البلاغه للاستفهام غير طلب الفهم والذي هو استفهامٌ حقيقي، فهناك استفهام حقيقيٌّ وهو طلب الفهم وطلب العلم وطلب المعرفة وما عدا ذلك فهو استفهامٌ يمكن التعبير عنه بأنَّه استفهام مجازيٌّ كالاستفهام لغرض التقرير أو الاستفهام لغرض الاستنكار أو لغرض التوبيخ.
مثلاً حينما يقول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾(2) فالآية تصدرت أو الخطاب في الآية تصدر بأداةٍ من أدوات الاستفهام: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ وهنا لا يريد القرآنُ المجيد من استعمال أداة الاستفهام الاستعلام وطلب المعرفة وإنَّما يريد التشويق للمخاطَب: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ﴾ فطبيعة المخاطَب حينما يسمع مثل هذا السؤال يشتاق الى معرفة ما هي هذه التجاره التي ستنجينيه من عذابٍ أليمٍ قد توعَّد اللهُ به العصاة من عباده، فالغرضُ من الاستفهام في مثل هذه الآية هو التشويق ثم يأتي الجواب: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾(3).
وكذلك مثلاً قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى / عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾(4) فإنَّ الآية تصدرتها الايه أداة من أدواة الاستفهام وهي الهمزة، فهمزة الاستفهام استعملتها الآية ليس لغرض الاستعلام والاستخبار وإنَّما لغرض التوبيخ، والتقريع لهذا الذي ينهى عبداً يصلي لربِّه، فالغرض من الاستفهام في مثل هذه الآية هو التوبيخ، وكذلك قد يأتي الاستفهام لغرض الاستنكار كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾(5) فإبراهيم عليه السلام لا يسأل آزر ولا يستعلم من آزر أنك تتخذ هذه الأصنام آلهة هو (ع) يعلم أنَّ آزر يتَّخذ هذه الأصنام آلهة فهو إنَّما جاء بصيغة الاستفهام لغرض الإنكار، يعني يريد أن يقول له لم يكن ينبغي لك وأنت رجلٌ عاقل أنْ تتَّخذ مثل هذه الحجارة آلهةً تعبدها، فهنا الاستفهام جيء لغرض الاستنكار.
وقد يأتي الاستفهام لغرض التهكُّم والسخرية كما في قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ/ مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾(6) فإبراهيم (ع) استعمل همزة الاستفهام ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ يخاطب بذلك الأصنام، والأصنام غير قابلة لتلقي الخطاب، فهو إذن لا يقصد من سؤال الأصنام استعلامهم والاستخبار منهم، وإنَّما يقصد من هذا السؤال التهكُّم والسخرية: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ/ مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ فهو يتهكم بهم فكأنَّه يقول: كيف تكونون آلهة ثم لا تنطقون ولا تتكلمون ولا تدفعون عن أنفسكم، هذا ما أراد ابراهيم عليه السلام أن يعبِّر عن من طريق والاستفهام.
كذلك قد ياتي لغرض التعجُّب كقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾(7) فهنا الآية بدأت بأداة من أدوات الاستفهام وهي همزة الاستفهام، وليس الغرض منها كما هو واضح الاستعلام والاستخبار بل الغرض منها التعجُّب، كيف تأمر الناس بالبرِّ والإحسان والخير والصلاح وتنسى نفسك، فأنت انسان بعيدٌ كلَّ البعد عن الإحسان وعن البرِّ وعن الصلاح ثم تتمشدق وتأمرُ الناس بالبرِّ والإحسان هذا عجيب منك، فالآية صيغيت على هيئة الاستفهام للتعبير عن التعجُّب.
الاستفهام بهل في الآية من سورة الإنسان سيق لغرض التقرير:
إذن ثمة أغراض عديدة للاستفهام غير الاستعلام وطلب المعرفه، فمن ذلك كما قلنا التقرير، فما معنى التقرير؟ التقرير يعني أنْ يؤتى بأداة الاستفهام لإفادة أنَّ الشيء متحققٌ وواقع وثابت ومتقرِّرٌ واقعاً، فلذلك حينما يخاطَب الانسان بالخطاب المصدَّر بهل التقريرية -مثلاً -يجد في نفسه أن الجواب المناسب لهذا الاستفهام هو "نعم" ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ نعم قد أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا، كانت سماء مبنية كانت هناك أرضٌ، وكانت هناك شمسٌ تُشرق وتغرب، وهناك قمرٌ، وهناك نجوم ومجرَّات، وهناك ليلٌ ونهار، وبحرٌ وأنهارٌ وزروع، وهناك الكثير من خلق الله عزَّوجلَّ على هذه الارض، وثمة أفلاك تجري في مساراتها، وليس للانسان وجود، لم يكن الإنسان في حيز الوجود، فالإنسان تأخر وجوده لعله ملايين السنين عن وجود هذه الكائنات الأاخرى من أفلاك وسماء وأرضٍ وزروع وحتى الكثير من الحيوانات سبق وجودُها وجود الانسان، فاذن الاستفهام هنا سيق لغرض التقرير يعني أرادت الآية أن تقول: قد أتى على الانسان حين من الزمن لم يكن موجوداً، فهل هنا تُفيد معنى قد التحقيقية فمفادها هو أنَّه: قد تحقق حين من الدهر لم يكن الانسان في حيز الوجود بل كان في كتم العدم، لم يكن مذكورا لم يكن له وجودٌ أساساً، لم يكن له وجود ثم صار له وجود.
الغاية من الاستفهام التقرري للآية:
فمعنى قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ الحين هو القطعة الزمنية والتي قد تطول وتطول، هذه القطعة الزمنية كانت خالية من وجود الإنسان، فلا وجود له في ذلك الحين كانت ثمة شمس وثمة قمر، وسماء، وأرض، وثمة أفلاك ومجرَّات، وثمة أشجارٌ وزروع، وثمة بحارٌ وأنهار ولكن لا وجود للإنسان في هذا الوجود، لا وجود للانسانٍ حيناً من الدهر، فثمة قطعة زمنية طويلة لم يكن فيها الإنسان في حيِّز الوجود.
فالآية أرادت من هذا البيان والذي هو واضح ولكن يحتاج إلى التفات، فالإنسان قد ينسى ويغفل، ويذهل عن أنه لم يكن ثم كان، وحينما يتامَّل في هذا الشأن لا ينتابه شكٌ في أنَّه لم يكن موجوداً منذُ الأزل، فما من أحدٍ إلا وهو يذعن أنَّ الإنسان لم يكن موجوداً منذ الأزل، قد لا يؤمن بأنَّ أول نشاته بدأت من آدم (ع) قد يرى أنَّ أول نشاته بدأت من شيءٍ آخر ولكنَّه يقرُّ بأنَّه مسبوقٌ بالعدم وأنَّه حادث، والحادث لابدَّ وأن يكون له مُحدِث، والمخلوق لابدَّ له من خالق، أنت لم تكن ما الذي أخرجك من كتم العدم الى حيِّز الوجود، ثمة خالق وثمة قدرة أخرجتك من كتم العدم الى حيز الوجود، هذا ما تريد أنْ تُشير إليه الآية، فهي حينما تُقرِّر أنَّ الانسان كان حيناً من الدهر في كتم العدم ثم صار الى الوجود تريد من ذلك أنْ الاحتجاج من طريق التنبيه على أمرٍ لا يسع من أحدٍ لمجرد الالتفات التنكُّر له، فهو احتجاجٌ بصيغة التنبيه، فلأنَّ الانسان قد يذهلُ، قد يغفل لكنَّه حين يُنبَّه قد يلتفت ويستيقظ ويدرك أنَّه فعلاً لم يكن شيئاً مذكوراً، نوع الانسان لم يكن في هذا الوجود ثم كان، مَن الذي كوَّنه؟! هل جاء بنفسه إلى الوجود دون موجد ؟! هل العدم ينتج الوجود؟ هل العدم يُوجِد ذاته؟ فاقد الشيء لا يعطي، والعدم لا ينتج الوجود، اذن ثمة موجود له القدرة أنشأ هذا الشيء وأخرجه من كتم العدم الى حيِّز الوجود، هذا ما أرادتْ الآيةُ أنْ تُنبِّه عليه، فالآية المباركة أرادت أو أنَّ أحد ما أرادت التنبيه عليه هو ذلك من خلال الاستفهام، وعادةً ما يكون الاستفهام هو أنسب وسيلة للتنبيه والإيقاظ في الأمور البديهية الواضحة، فاستعمال الاستفهام في مثلها أولى من استعمال الجمل التقريرية ابتداءً، فبدلاً من القول: قد أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا، فبدلاً من ذلك يقول: هل أتى يعني ينبغي لك أنْ تسأل نفسك وحينذاك ستجد جواب هذا السؤال بيِّناً واضحاً، لا يحتاج إلا الى قليل من التنبُّه وقليلٍ من التدبُّر، وعادة ما يُعطي مثل هذا النحو من الاستفهامات نوعاً من التحفيز المستبطِن للتوبيخ للمخاطب.. كيف تذهل؟! كيف تغفل؟! هذه مسالة بديهية ومسالة واضحه، كيف يسوغ لك أن تغفل عنها؟ تماماً كما ياتي الأب -مثلاً- لولده العاصي والعاقِّ، هذا الولد في شأنٍ آخر غير شأن أبيه رغم حاجةِ أبيه إليه ورغم قدرتِِه على قضاء حوائج أبيه لكنَّه لا يفعل، فإذا التقى به أبوه لا يقول له أنا أبوك، وإنَّما يقول له هل أنا ابوك؟! يعني التفت يقول له: ألستُ أباك فهو لا يستعلم منه ولا يستفهم، هو يدري أنَّه أبوه، وذاك يدري أنَّ هذا الرجل والده، فهو إنَّما وجَّه اليه هذا الخطاب بصيغة الاستفهام ليقول إنَّ هذه المسألة رغم وضوحها عندك إلا أنَّك لا تعمل بمقتضياتها، مقتضياتُ علمك أني أبوك هو أن ترعاني وأنْ تقضيَ حوائجي، كذلك هو الشأن في الآية فحينما قالت: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ أرادت القول التنبيه على أنَّ هذه القضية واضحة، لو عرضتها على كلِّ عاقلٍ لأذعن بها هل كان نوعُ الانسان يوماً ما غير موجود؟ وكان في كتم العدم أو أنه موجود من الأزل؟ لو سألتَ أيَّ أحدٍ عن ذلك فإنَّ إجابته ستكون بالقطع أنه كان في كتم العدم ثم صار الى حيِّز الوجود، قد يختلف هذا عن ذاك في كم مضى على وجوده ولكن لا يختلفُ من أحدٍ بأنَّه كان في يومٍ ما عدماً ثم صار في حيِّز الوجود،
هذا الأمر له مقتضيات، اذا كنتَ في معدوماً ثم صرتَ الى حيِّز الوجود فمَن الذي أخرجك مِن كتم العدم الى حيِّز الوجود؟ يعني سؤال يترشَّحُ عنه سؤالٌ آخر، وهكذا القرآن يستعمل هذا الاسلوب يستثير في الإنسان أموراً كامنة في فطرته وجبلَّته فينقله من سؤال الى سؤال يُعينُه بذلك على الوصول الى الحقائق التي قد يكون ذاهلاً عنها، وقد يكون متنكراً لها.
فإذن: الآية سيقت على هيئة الاستفهام لغرض الإيقاظ والتنبيه، وسيقت لغرض الاحتجاج على الإنسان، الاحتجاج عليه بأنَّك لم تكن موجوداً ثم صرتَ في حيز الوجود فإذن ينبغي لك أنْ تُفكر وتتامَّل فيمَن أخرجك من كتم العدم الى حيِّز الوجود لابدَّ وأن تكون هناك قدرة موجودة هي التي ساقتك إلى هذا الوجود، هذا وقد استعمل القرآن هذا الإسلوب في أكثر من موضع مثلاً يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾ بصيغة الاستفهام أيضاً ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾(8) لم تكن ثم كنتَ: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ فالاستفهام سيق لغرض التنبيه لغرض الإيقاظ، ولغرض الاحتجاج على الانسان.
النطفة وما أودع الله فيها من قابليَّات:
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ﴾ النطفة هي الماء القليل الذي لا يتجاوز القطرات، هذا الانسان بما هو عليه من عظمة وخلقٍ بديعٍ ومعقَّد قد تكون في الأساس من نطفةٍ، هذه النطفة التي لا تتجاوز القطرات أودع اللهُ تعالى فيها الاستعداد للنمو، والاستعداد والانتقال من مرحلة لمرحلة، وهذا معناه قوله تعالى: ﴿نَّبْتَلِيهِ﴾ فإلابتلاء هنا يعني الانتقال من مرحلةٍ لمرحلةٍ، ومن حالٍ إلى حال أخرى، تلاحظون أن هذه النطفة والتي هي قطراتٌ سائلة أودع في ذاتها -ليس من شيء يعرض عليها من خارجها- هي في نفسها تحمل الاستعداد والقابليَّة للنمو والانتقال من مرحلةٍ إلى مرحلة، فهي في الأساس سائل ثم تحوَّلت إلى علقة ثم إلى مضغة، ثم صارت إلى عظام، ثم كُسيت العظام لحماً، ثم تشكلت من ذلك صورة تامَّة كاملة، هذه النطفة أعطيت وأودع فيها كلُّ هذا الاستعداد، تتنقل من مرحلة إلى مرحلة بشكل تلقائي لا يتخلف ودون تدخل خارجي، وكذلك أودع في هذه النطفة الاستعداد والقابليه للتوفر على أدوات الحسِّ من السمع والبصر والشمِّ والذوق، هذه النطفة أودع فيها القابلية لأن تتوفِّر من أساسها وتحمل في ذراتها وفي جزيئاتها قابليَّة السمع والبصر والنطق وسائر أدوات الحس من الشم للروائح الخبيثة والروائح الطيبة والتذوُّق لمختلف الطعوم لمختلف المذاقات الحلوِّ والمرِّ والمالح والحامض وسائر الطعوم وتحمل هذه النطفة التي لا تتجاوز القطرات القابليَّة لسائر مدركات الحس فالإنسان خُلق وهو يميز بين الخشونة والنعومة وبين الحرارة والبرودة، فجسمه منذ تكوينه يحمل في ذاته، هذا المجسُّ الذي يُميز به هذه المدركات فهو يدرك أنَّه في أجواء باردة أو في أجواء حارة، حينما يضع يده على جسم آخر يدرك أنَّ هذا الجسم خشن أو أنَّ هذا الجسم ناعم، هذه القابليات وهذه الملكات لم تعرض عليه من الخارج هي مودعة في النطفة التي منها تخلَّق، هذه النطفة التي تخلَّق منها تحمل في ذراتها كلَّ هذه القابليات وهذه الملكات: ملكة الابصار والسمع والنطق والتفكير فليس ثمة شيء من خارج النطفة أعطاه ملكة الإبصار وملكة السمع وملكة النطق وملكه الشم والتذوق، كل هذه الملكات مودعةٌ في هذه النطفة الحقيرة بل اكتشف العلم الآن أن هذه النطفة الحقيره المستقذرة تحمل في جزيئاتها كلَّ أحوال الانسان من يوم نشأته الى حين يموت حتى أنَّها تعرف الأمراض التي ستصيبه، لذلك فإنَّ ذوي الاختصاص يميزون من خلال هذه النطفة أنَّ هذا الولد سوف ينشأ مصاباً بهذا المرض الوراثي أو ذاك المرض الوراثي أو أنه سوف يكون سليما من أين عرفوا؟ عرفوا ذلك لأنَّ النطفة نفسها تحمل كلَّ أخبار وأحوال هذا الانسان، من الذي أودع فيها كلَّ هذه القابليات.
كذلك فإنَّ هذه النطفة الصغيرة أودع اللهُ تعالى فيها القابليَّة لتكوين الأجهزة التي ستكون هي قوام حياته، فالقلبُ الذي به قِوام حياة الإنسان لا يأتون به من خارج الإنسان ويضعونه فيه حتى يعيش، نفس النطفة هي التي يتخلَّق منها القلب وسائر الأجهزة الحيويَّة كالكلية والكبد والجهاز الهضمي والجهاز العصبي والأوردة والدم وغيرها ممَّا به قوام الحياة، كلُّ ذلك تخلَّق من هذه النطفة. وأودع الله عزَّوجلَّ في هذه النطفة القابليَّة بعد ذلك للمشي والجلوس والقيام والقعود والأكل والشرب، هذه الملكات وهذه القدرات لم تأتِه من الخارج، هذه القدرات وهذه الملكات وهذه القابليات تخلقت من ذات النطفة: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾(9).
لو أردنا التقريب بمثالٍ سطحي بالسيارة، فهي تتكوَّن من حديد ونحاس، ومن خشب وقماش ومن جلد ومن مطاط ومن العديد من المعادن، هذه المكونات يتعيَّن علينا إذا أردنا صناعة سيارة أن نجلبها من جهاتٍ مختلفة، لا نتمكن من أنْ نصنع سيارة إلا أنْ نأتي بحديد من موضعه، ونقوم بتشكيله وتصويره على هيئة محددة وتركيبه تركيباً خاصَّاً ثم نأتي بالخشب والقماش والجلود كلاً من موضعه ونصنع منها مقعداً ونأتي بالمطاط ونصنع منه إطارات ونأتي مثلا بالماء والبنزين وغيرها من المواد التي يتم تجميعها وتشكيلها، ويعمل على تصنيع السيارة كثير من المهندسين والعمال حتى يتمكنوا من إخراجها بهذه الصورة وتكون لها قابلية أنْ تقوم بوظائفها، ثم أنَّ هذه السيارة تظلُّ على صورتها وهيئتها لا تتغير ولا تكون قابلة للنمو والتحوُّل فهي لا تبدأ صغيرة ثم تكبر وتكبر معها إمكانياتها.
أمَّا خلق الإنسان فليس كذلك هو نطفة تتشكَّل من نفسها بإذن الله دون تدخُّلٍ مِن أحد، فتنتقلُ من مرحلةٍ إلى مرحلة، فالنطق يُصنع منها، والعقل يُصنع منها، والدماغ يتكوَّن منها، والقلب يتكون منها وكذلك الكبد، وكذلك الجهاز الهضمي، وكذلك الجهاز العصبي وحتى الكهرباء، كهرباء الدماغ تتشكل من النطفة ذاتها، أنتم حين تصنعون السيارة وبعده تجلبون أجهزة كهربائية لتصبح قادرة على تشغيلها أمَّا كهرباء الدماغ وكهرباء الأعصاب والجهاز العصبي فإنَّها تتخلَّق من ذات هذه النطفة: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾.
لا يتدخَّل من أحدٍ في تصنيع الإنسان هو يتخلَّق وينتقل من مرحلةٍ إلى أخرى، فلذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ﴾ فاختلطت نطفة الرجل بنطفة المرأة أو جئنا بنطفة مختلطة، هذا هو معنى الأمشاج، فهي مختلطة من مختلف العناصر التي يحتاجها تكوين الانسان، هذه النطفة القليلة حينما فحصها أهل الاختصاص وجدوها مشتملةً على مختلف العناصر التي يحتاجها تكوين الانسان وتكوين قابليَّاته وتكوين قدراته وتكوين ملكاته: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ﴾ وننقله من مرحلة الى مرحلة ويبقى هذا التمرحل وهذا التنقل من حالٍ الى حال يظلُّ مع الانسان إلى النهاية يبدأ نطفة ثم يتخطَّى خطوةً خطوة من علقةٍ الى مضغة الى عظام ثم ينتهي إلى صورة كاملة بهيَّة وجميلة ومنسَّقة في أحسن تقويم، ثم يولد فلا يستطيع أنْ يُعينَ على نفسه، فمَن الذي ينقله من مرحلةِ الطفولة إلى مرحلة الشباب أبوه أو أمه؟! هو يكبر من نفسه، فالله تعالى قد خلق فيه القابليَّة لأنْ يتحول من رضيع الى صبيٍّ يدرج ثم الى يافعٍ ثم الى شابٍّ، فلا أحد يتدخَّل في انتقاله من مرحلةٍ الى مرحلة الى أن يصبح شيخاً ثم يموت.
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فالقرآن كثيراً ما أشار الى أنَّ الله تعالى خلق الإنسان من نطفة، لعلَّه ذكر ذلك في اثني عشر موضعاً من القرآن، والغاية من ذلك هو التنبيه على المعنى الذي ذكرناه، وهو أنَّ على الإنسان أنْ يتامَّل ويتدبَّر لينتقل من هذه المعرفة إلى المعرفة لربِّه لأنَّ مَن عرف نفسَه عرفَ ربَّه.
من غايات التذكير بأنَّ تكوين الإنسان كان من نطفة:
وكذلك تُريد الآية المباركة -ظاهراً- أنْ تُنبه على شأنٍ آخر وهو التذكير للإنسان بأنَّه تكوَّن من نطفة مستقذرة فلماذا الكبرياء والتعالي؟! فكأنَّ الآية أرادت القول بأنَّ هذا الإنسان المتجبِّر الطاغوت والمتغطرس والمتبختر والذي يظلم ويبطش ويبغي ويستحوذ على أموال الناس ظلماً ويهتك أعراضهم ويسفك دماءهم، ويستولي على مقدَّراتهم دون وجه حقٍّ هذا الإنسان أصله نطفة مستقذرة محتقرة ثم يصير مآله إلى جيفة فلولا المبادرة إلى دفنه لصار بعد ثلاثة أيام جيفة منتنة مستبشعة الهيئة لا يطيق الأحياء الإقبال عليه لسوء منظره وقبيح رائحته، ولذلك أوصت الروايات الواردة عن الرسول الكريم (ص) وعن أهل بيته (ع) بالمسارعة إلى موارته إكراماً له
فمثل هذا الإنسان المتغطرس لا يملك أن يتخلق من غير النطفة المستقذرة كما لا يملك أنْ لا يموت ويتحلَّل جسده ويُصبح جيفة منتنة، ولولا أنَّه يدفن لظهر للعيان ما تؤول إليه جثته من الانتفاخ والتفسخ فلماذا الطغيان والتجبُّر؟!
يقول الرسول الكريم صلَّى الله عليه واله بحسب ما رُوي عنه: "بئس العبد عبد أولُه نطفة ثم يعود جيفة، ثم لا يدري ما يفعل به فيما بين ذلك"(10) فهو ما بين النطفة والجيفة لا يدري ماذا يُفعل به: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾(11) لا يعلم ما الذي سيصادفُه في هذه الحياة وأي الأمراض التي سوف تُصيبه؟ وهل سيكون مرزوقاً أو محروماً من الرزق الواسع؟ وما الذي سينالُه من أسباب الحزن أو أسباب الفرح؟ وهل سوف يُخفق في مسعاه أو ينجح؟ فهو لا يعلم ما الذي قُدِّر عليه في مستقبل أيامه وكم سيعيش؟ وما الذي سوف يواجهه من خيرات ومن شرور؟.
يقول أميرُ المؤمنين عليه السلام: "العجبُ كلَّ العجب للمختال الفخور الذي خُلق من نطفةٍ ثم يصير جيفة، وهو فيما بين ذلك لا يدري كيف يُصنع به"(12).
ونختم بهذه أيضاً بهذه الكلمة المأثورة عن أمير المؤمنين عليه السلام كما في نهج البلاغة: "مَا لِابْنِ آدَمَ والْفَخْرِ، أَوَّلُه نُطْفَةٌ وآخِرُه جِيفَةٌ، ولَا يَرْزُقُ نَفْسَه ولَا يَدْفَعُ حَتْفَه"(13) هل يملك من أحدٍ أن يقول لا أُريد أنْ أموت اليوم، أريد أن أموتُ بعد سنة أو بعد خمسين سنة، ليس له ذلك، فلو بذل كلَّ مملكته لتأخير أجلِه يوماً واحداً لما أُتيح له ذلك، إذا كان قد قدِّر له أنْ يموت في هذا اليوم، فلو بذلَّ كلَّ مملكته ليموت غداً فلن تنفعه مملكته شيئاً، فهو لا يملك حتفه وليس بيده متى يموت، وفيما بين النطفة والجيفة لا يستطيع أن يرزق نفسه، قد تقول هذا يملك أموالاً طائلة كيف لا يستطيع أن يرزق نفسه فهو يستطيع أن يشتري بماله ما يشاء.
ليست العبرة أن تتمكن من أن تشتري الأكل العبرة هو أنَّه ليس بيدك أن تأكله وأن تُسيغه، فلو شاء الله عزَّوجل أن لا تسيغ الطعام وأنْ لا تتمكن من ابتلاعه فلن تتمكن، ليس بيدك أن تبتلعه لولا أنَّ الله أقدرك، فلذلك إذا شاء الله أن لا تبتلع هذا الطعام فلن تتمكن من ابتلاعه، وإذا شاء أنْ لا تهضمه معدتُك فلن تهضمه، ولن تنتفع به، وإذا شاء الله عزَّوجل ألا تنام فلو فرش لك الحرير ووضعت لك الوسائد الفارهة، وهيئت لك أسباب الاستجمام ولكنَّ الله عزَّوجل قدَّر في تلك الليلة ألا يرزقك النوم - فالنوم رزق - لو قدر الله تعالى ألا يرزقك النوم فإنَّك لن تنام، ستظل أرِقاً مستيقظاً رغم أنفك لن تتمكن من أن تنام، إذن فأنت لا تملك أنْ ترزق نفسك، فلماذا الغرور؟! ولماذا الكبرياء؟! ولماذا الاستعلاء؟! ولماذا التبختر والتفاخر؟! وهذا هو وضعك وتلك هي حقيقتُك، فشأنك العبوديَّة لمَن يملك ناصيتك ومصيرك، لذلك ينبغي أن تكون عبداً لله عزَّ اسمُه وتقدس
والحمد لله رب العالمين
الشيخ محمد صنقور
16 / جمادى الآخر / 1447ه
8 / ديسمبر / 2025م
1- سورة الإنسان / 1-3.
2- سورة الصف / 10.
3- سورة الصف / 11.
4- سورة العلق / 9-10.
5- سورة الأنعام / 74.
6- سورة الصافات / 91-92.
7- سورة البقرة / 44.
8- سورة مريم / 67.
9- سورة لقمان / 11.
10- النوادر -قطب الدين الراوندي- ص145.
11- سورة لقمان / 34.
12- المحاسن -البرقي- ج1 / ص242.
13- نهج البلاغة -خطب الإمام علي (ع)- ص555.