التوسُّل بأهل البيت (ع) ليس من الشرك 

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

الطلبُ المباشر من المعصومين (ع) كأن يقال: "يا علي مدَد" أو "يا زهراء أغيثيني" أليس ذلك من الشرك بالله تعالى؟ ولماذا نتوسَّل ولا نسألُ الله تعالى مباشرة؟

الجواب:

ليس هذا من الشرك بالله جلَّ وعلا، فالشركُ بالله تعالى هو أنْ تعبدَ مع اللهِ إلها آخر أو تعتقدَ بأنَّ احداً غير الله جلَّ وعلا يستطيع أنْ يفعلَ شيئاً باستقلاله ودون إذنِه تعالى وإقداره.

ولا يعتقد الشيعةُ بشيءٍ من ذلك على الإطلاق، فهم يعبدون اللهَ تعالى وحده لا شريكَ له، فهو الإله المعبودُ الذي لا إلهَ غيره ولا معبود سواه، وكذلك فإنَّ الشيعة يعتقدون أنَّه لا احدَ يستطيعُ أن يفعلَ شيئاً باستقلاله ودون اذنٍ من الله جلَّ وعلا سواءً كان ملَكا او نبيَّاً أو وصيَّاً، فكلُّ هؤلاء الكرام وغيرهم لا يستطيعون فعلَ شيءٍ خطيرٍ أو حقير باستقلالِهم ودون إذنٍ من الله تعالى ودون إقداره وتمكينه عزَّ اسمُه وتقدَّس.

والذين يقولون: "يا علي مدَد" لا يقصدون من ذلك أنَّ عليَّاً (ع) قادرٌ على إغاثتهم باستقلاله ودون اذنٍ وعونٍ من الله تعالى

فالشرك أمرٌ قلبي، فإذا كانوا لا يقصدون الاستقلال عن الله تعالى فكيف يُقال عن قولهم: إنَّه شرك!! فحينما يقول أحدنا للطبيب: عالجني فإنَّه لا يقصد من ذلك أنَّ الطبيب قادرٌ على شفائه باستقلاله ودون إذنٍ من الله تعالى، وهكذا حينما يقول أحدٌ لآخر اسقني أو أطعمني فإنَّه لا يقصد من طلبه أنَّ المطلوب منه قادرٌ سقيه وإطعامه دون إقدارٍ من الله وتمكينه، لذلك لا يكون طلبُه من الشرك، إذ أنَّ الشرك وعدمه تابع للقصد، ولهذا حينما يقال: يا علي مدد أو أغثني فإنَّه يقصد أنَّه يُغيثه بإذن الله وعونه وإذا لم يأذنِ الله تعالى فإنَّ عليَّاً (ع) لا يستطيع نفعَه وإغاثتَه. فلا تُصغِ الى شبهات المتزمتين، فالشيعة هم اشدُّ الناس توحيداً وإخلاصاً لله جلَّ وعلا.

وأمَّا لماذا نتوسَّل ولا نسألُ الله تعالى مباشرة؟

فالجواب أنَّ الشيعة أعزَّهم الله تعالى يسألون الله جلَّ وعلا مباشرةً في أكثر أدعيتهم، ويكفي أن تقفَ على أدعية الصحيفة السجاديَّة، ودعاء كميل ودعاء عرفة ودعاء الجوشن الكبير والصغير وغيرها من الأدعية المأثورة عن أهل البيت (ع) التي اعتاد الشيعة قراءتها في خلواتهم ومحافلهم، يكفي أن تقف على ذلك ليتبيَّن لك صدق ما نقول.

وهم كذلك يتوسَّلون بالأنبياء والأولياء لأنَّ الله تعالى أمرنا أنْ نتخذ منهم وسائل لاستجابة الدعاء، فالأنبياء والأولياء من وسائل الاستجابة من الله تعالى للدعاء، فكما أنَّ الصلاة وسيلةٌ والصدقةُ، وسيلةٌ، كذلك فإنَّ الأنبياء والأولياء وسيلة من وسائل الاستجابة للدعاء بقضاء الحوائج.

 فاللهُ جلَّ وعلا أراد أن يربطنا بالأنبياء والأولياء ليكونوا لنا أسوةً لذلك جعلهم من وسائل الاستجابة، وجعل الصدقة وسيلةً للاستجابة للتشجيع على الصدقة، وجعل الصلاة وسيلةً للاستجابة لتأكيد الحرص على إقامة الصلاة، وجعل تلاوةَ القرآن وسيلةً من وسائل الاستجابة لتأكيد الحثِّ على تلاوته والاِهتداء بهديه.

وهنا يحسن بنا التنبيه على أمرٍ وهو أنَّ الله تعالى اقتضت إرادتُه وحكمته البالغة أنْ يجعل الدنيا قائمةً على الاسباب والوسائل، فعامَّة شؤون الحياة في هذه النشأة قائمةٌ على الأسباب والوسائل، فوسيلةُ الشبع -مثلاً- هو الأكل، ووسيلةُ الارتواء هو الشربُ للماء، ووسيلةُ الشفاء هو تناولُ الدواء، وهكذا سائر الشؤون فإنَّ الله تعالى جعل التوصَّل إليها من طريق الأسباب والوسائل، غايته أنَّ الأسباب والوسائل منها ما هو مادِّيٌ ومحسوس، ومنها ما هو معنويٌّ وغيبي، كالوضوء والكون على طهارة وسيلةٌ للتوفيق، وصلةُ الأرحام وسيلةٌ لطول العمر، والصدقةُ وسيلةٌ لسعة الرزق، والدعاء وسيلةٌ لقضاء الحوائج، وكذلك التوسُّل بالنبيِّ الكريم (ص) وبأهل بيتِه (ع) وسيلةٌ وسببٌ لغفران الذنوب وقضاء الحوائج واستجابة الدعاء.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

22 / جمادى الآخر / 1447ه

14 / ديسمبر / 2025م