عقوبة بيع الحرِّ أو اختطافه
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
ما هو حكم مَن اختطف حرَّاً فباعه، وما هو حكمه لو اختطفه فاستخدمه أو طلب فديةً في مقابل إطلاقه؟
الجواب:
إذا سرق أحدُهم حَّراً فباعه على أنَّه عبدٌ لم يٌقطع بوصفه سارقاً، إذ أنَّ موضوع حدِّ السرقة هو سرقة مقدار النصاب من حِرزٍ بعد هتكه، والحرُّ ليس مالاً، فلا تكون سرقته له موجبةً لحدِّ السرقة، نعم أفتى الشيخ الطوسي وجماعة بوجوب قطع يده بل في التنقيح أنَّه المشهور -كما في الجواهر(1)- والحكم بقطع يده ليس لكونه سارقاً بل لكونه مفسداً.
ومستند الحكم بقطع يده رواياتٌ عديدة عن أهل البيت (ع) وُصفت بالمعتبرة(2):
منها: معتبرة السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع): "أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ بَاعَ حُرّاً فَقَطَعَ يَدَه"(3).
وظاهر تصدِّي الإمام الصادق (ع) لنقل ما فعله أمير المؤمنين (ع) هو بيان أنَّ ذلك هو حكم مَن باع حرَّاً، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين كون الحرِّ صغيراً أو كبيراً. وعليه فلا يصحُّ ما قيل من اختصاص الحكم بالقطع بمَن باع حرَّا صغيراً، لأنَّ الكبير قادرٌ على الدفع عن نفسه غالباً، فإنَّ مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين الصغير والكبير، على أنَّ الكبير قد يُخدع أو يقهر ويُستضعف وقد يكون سفيهاً أو معتوهاً. هذا مضافاً إلى أنَّ التفصيل بين الصغير والكبير مناف لرواية عبد الله بن طلحة الآتية.
ومنها: رواية عَبْدِ اللَّه بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) عَنِ الرَّجُلِ يَبِيعُ الرَّجُلَ وهُمَا حُرَّانِ يَبِيعُ هَذَا هَذَا، وهَذَا هَذَا، ويَفِرَّانِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ فَيَبِيعَانِ أَنْفُسَهُمَا ويَفِرَّانِ بِأَمْوَالِ النَّاسِ فَقَالَ: تَقْطَعُ يَدَيْهِمَا لأَنَّهُمَا سَارِقَانِ أَنْفُسَهُمَا وأَمْوَالَ النَّاسِ"(4).
ومنها: رواية مُعَاوِيَةَ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (ع) عَنْ رَجُلٍ سَرَقَ حُرَّةً فَبَاعَهَا قَالَ: فَقَالَ: فِيهَا أَرْبَعَةُ حُدُودٍ أَمَّا أَوَّلُهَا فَسَارِقٌ تُقْطَعُ يَدُه .."(5).
والظاهر من قوله (ع): "أَمَّا أَوَّلُهَا فَسَارِقٌ تُقْطَعُ يَدُه" هو أنَّ حكمه حكم السارق تُقطع يده. فليس مراده -ظاهراً- أنَّه يلاحظ فيه ما يُعتبر في موضوع السرقة لوضوح أنَّ بيع الحرِّ ليس من السرقة لكونه ليس مالاً.
ومنها: رواية طريف بن سنان قال: قلتُ لأبي عبد الله عليه السلام: أخبرني عن رجلٍ باع امرأته قال: على الرجل أنْ تقطع يده .."(6).
فهذه الرواية وإنْ لم تصرح بأنَّ امرأة الرجل كانت حرَّة إلا أنَّ الملاحظة لتمام الرواية يقتضي استظهار كونها حرَّة، وذلك لأنَّ الإمام حكم برجمها لو وطئها المشتري عن اختيار منها، وحكمُ الرجم مختصٌّ بالحرائر دون الإماء كما هو واضح.
اختطاف الحرِّ لاستخدامه أو لتحصيل الفدية:
هذا ما يتَّصلُ ببيع الحرِّ، وأمَّا اختطافه لاستخدامه أو لتحصيل فدية مقابل إطلاقه فالحكم في مثل هذا الفرض هو استحقاق الفاعل للتعزير بما يراه الحاكم من جلدٍ أو حبس أو هما معاً أو غيرهما من العقوبات الرادعة، وأمَّا القطع فلا يثبتُ في حقِّه لعدم شمول الروايات لمثله، إذ أنَّ موضوعها بيع الحرِّ، ولا يمكن التعدِّي منها لفرض الاختطاف دون البيع لكونه من القياس المحظور.
نعم لو سرق الحرَّ من حِرزٍ بما عليه أو بما معه من حليٍّ أو متاعٍ بمقدار النصاب فإنَّه يكون مستحقاً للقطع بسبب سرقته لمقدار النصاب إذا تحققت منه عرفاً السرقةُ لمقدار النصاب من حرز بعد هتكه، ويكون كذلك مستحقَّاً للتعزير لافتراض اختطافه للحرِّ.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
2 / شعبان / 1447ه
22 / يناير / 2026م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص510، رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج16 / ص112.
2- رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج16 / ص113.
3- الكافي -الكليني- ج7 / ص229، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص283.
4- الكافي -الكليني- ج7 / ص229، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص284.
5- الكافي -الكليني- ج7 / ص229، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص283.
6- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص24، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص131.