معنى المحارب وحدُّ الحرابة
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
من هو المحارب الذي عنته الآية من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ..﴾(1) وما هو حدُّ الحرابة؟
الجواب:
تحديد مفهوم المُحارب:
المحارب هو كلُّ من شهر السلاح لإخافة الناس ممَّن تحرم إخافتهم مسلمين كانوا أو غيرهم، كان ذلك في دار الإسلام أو غيرها، وكان ذلك في برٍّ أو بحرٍ في ليلٍ أو نهار، والظاهر أنَّ الإجماع منعقِدٌ على ذلك كما أفاد صاحب الجواهر(2) وهو مقتضى إطلاق مثل صحيحة محمد بن مسلم الآتية.
وأما حدُّ الحرابة فقد تصدَّت لتفصيله روايات عديدة عن أهل البيت (ع):
منها: صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: "مَنْ شَهَرَ السِّلَاحَ فِي مِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ فَعَقَرَ اقْتُصَّ مِنْه ونُفِيَ مِنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ، ومَنْ شَهَرَ السِّلَاحَ فِي غَيْرِ الأَمْصَارِ وضَرَبَ وعَقَرَ وأَخَذَ الْمَالَ ولَمْ يَقْتُلْ فَهُوَ مُحَارِبٌ فَجَزَاؤُه جَزَاءُ الْمُحَارِبِ وأَمْرُه إِلَى الإِمَامِ إِنْ شَاءَ قَتَلَه و [إِنْ شَاءَ] صَلَبَه وإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَه ورِجْلَه، قَالَ: وإِنْ ضَرَبَ وقَتَلَ وأَخَذَ الْمَالَ فَعَلَى الإِمَامِ أَنْ يَقْطَعَ يَدَه الْيُمْنَى بِالسَّرِقَةِ ثُمَّ يَدْفَعَه إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَيَتْبَعُونَه بِالْمَالِ ثُمَّ يَقْتُلُونَه، قَالَ: فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَصْلَحَكَ اللَّه أرَأَيْتَ إِنْ عَفَا عَنْه أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع): إِنْ عَفَوْا عَنْه فَإِنَّ عَلَى الإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَه، لأَنَّه قَدْ حَارَبَ وقَتَلَ وسَرَقَ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أرَأَيْتَ إِنْ أَرَادَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْه الدِّيَةَ ويَدَعُونَه ألَهُمْ ذَلِكَ؟ قَالَ فَقَالَ: لَا، عَلَيْه الْقَتْلُ"(3).
ومنها: معتبرة علي بن إبراهيم في (تفسيره) عن أبيه، عن علي بن حسان، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "مَن حاربَ اللهَ وأخذَ المال وقَتلَ كان عليه أنْ يُقتل ويُصلب، ومن حارب فقتل ولم يأخذ المال كان عليه أنْ يُقتل ولا يُصلب، ومَن حاربَ وأخذ المال ولم يقتل كان عليه أنْ تُقطع يده ورجله من خلاف، ومن حارب ولم يأخذ المال ولم يقتل كان عليه أنْ يُنفى .."(4).
ومنها: رواية عُبَيْدِ اللَّه بْنِ إِسْحَاقَ الْمَدَائِنِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (ع) قَالَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ الله ورَسُولَه ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ الآيَةَ فَمَا الَّذِي إِذَا فَعَلَه اسْتَوْجَبَ وَاحِدَةً مِنْ هَذِه الأَرْبَعِ؟ فَقَالَ: "إِذَا حَارَبَ اللَّه ورَسُولَه وسَعَى فِي الأَرْضِ فَسَاداً فَقَتَلَ قُتِلَ بِه، وإِنْ قَتَلَ وأَخَذَ الْمَالَ قُتِلَ وصُلِبَ، وإِنْ أَخَذَ الْمَالَ ولَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُه ورِجْلُه مِنْ خِلَافٍ، وإِنْ شَهَرَ السَّيْفَ فَحَارَبَ اللَّه ورَسُولَه وسَعَى فِي الأَرْضِ فَسَاداً ولَمْ يَقْتُلْ ولَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ يُنْفَى مِنَ الأَرْضِ .."(5).
حدُّ الحرابة يتحدد بطبيعة الجناية المرتكبة:
فالواضح من هذه الروايات أنَّ حدَّ الحرابة يتحدَّد بطبيعة الجناية المرتكبة وليس للحاكم أن يختار ما يشاء بقطع النظر عن طبيعة الجناية المرتكبة إلا أنَّ في مقابل ذلك ورد في صحيحة جميل ما يظهر منه اختيار ما يشاء من الحدود التي سمَّتها الآية المباركة فقد ورد صحيحة جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) عَنْ قَوْلِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ الله ورَسُولَه ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ فَقُلْتُ: أَيُّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ مِنْ هَذِه الْحُدُودِ الَّتِي سَمَّى اللَّه عَزَّ وجَلَّ قَالَ: ذَلِكَ إِلَى الإِمَامِ إِنْ شَاءَ قَطَعَ، وإِنْ شَاءَ صَلَبَ، وإِنْ شَاءَ نَفَى، وإِنْ شَاءَ قَتَلَ .."(6).
إلا أنَّه يتعيَّن – كما أفاد السيد الخوئي(7)- رفع اليد عن هذا الظهور بما صرَّحت به صحيحة بُرَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) عَنْ قَوْلِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ الله ورَسُولَه﴾ قَالَ ذَلِكَ إِلَى الإِمَامِ يَفْعَلُ بِه مَا يَشَاءُ قُلْتُ: فَمُفَوَّضٌ ذَلِكَ إِلَيْه قَالَ: لَا ولَكِنْ نَحْوَ الْجِنَايَةِ"(8).
فهذه الصحيحة صريحة في أنَّ اختيار الإمام إنَّما هو في حدود الرعاية لطبيعة الجناية المرتكبة ويؤيد ذلك أيضاً ما ورد في رواية عُبَيْدَةَ بْنِ بَشِيرٍ الْخَثْعَمِيِّ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه ع عَنْ قَاطِعِ الطَّرِيقِ وقُلْتُ إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ إِنَّ الإِمَامَ فِيه مُخَيَّرٌ أَيَّ شَيْءٍ شَاءَ صَنَعَ قَالَ: لَيْسَ أَيَّ شَيْءٍ شَاءَ صَنَعَ ولَكِنَّه يَصْنَعُ بِهِمْ عَلَى قَدْرِ جِنَايَاتِهِمْ، مَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ فَقَتَلَ وأَخَذَ الْمَالَ قُطِعَتْ يَدُه ورِجْلُه وصُلِبَ، ومَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ فَقَتَلَ ولَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ قُتِلَ، ومَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ وأَخَذَ الْمَالَ ولَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُه ورِجْلُه [مِنْ خِلَافِه] ومَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ ولَمْ يَأْخُذْ مَالاً ولَمْ يَقْتُلْ نُفِيَ مِنَ الأَرْضِ"(9) فقوله (ع) بعد نفي الاختيار:"ولَكِنَّه يَصْنَعُ بِهِمْ عَلَى قَدْرِ جِنَايَاتِهِمْ" صريح في تعيُّن الملاحظة والرعاية لطبيعة الجناية المرتكبة من المُحارب.
وهنا عدد من المسائل مترتبة على ما تقدَّم:
المسألة الأولى: أفادت الروايات أنَّ المحارب إذا أخذ المال قُطع، ومقتضى إطلاقها هو عدم الفرق بين بلوغ ما أخذه مقدار نصاب السرقة أو كان أقل من مقدار النصاب.
المسألة الثانية: إنَّ المحارب إذا قتل فلوليِّ المقتول الحقُّ في القصاص إلا أنَّه إذا عفا عنه يسقط حقُّه بالعفو إلا أنَّ على الإمام أن يقتله بحدِّ الحرابة، فعفو الوليِّ يُسقط القصاص ولكنَّه لا يُوجب سقوط حدِّ الحرابة، وهو القتل لمَن ارتكب جناية القتل كما نصَّت على ذلك مثل صحيحة محمد بن مسلم قَالَ: فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَصْلَحَكَ اللَّه أرَأَيْتَ إِنْ عَفَا عَنْه أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع): إِنْ عَفَوْا عَنْه فَإِنَّ عَلَى الإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَه، لأَنَّه قَدْ حَارَبَ وقَتَلَ وسَرَقَ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أرَأَيْتَ إِنْ أَرَادَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْه الدِّيَةَ ويَدَعُونَه ألَهُمْ ذَلِكَ؟ قَالَ فَقَالَ: لَا، عَلَيْه الْقَتْلُ" وكذلك هو مقتضى إطلاق معتبرة علي بن إبراهيم: ".. مَن حارب اللهَ وأخذ المال وقتلَ كان عليه أن يُقتل ويُصلب، ومَن حارب فقتل ولم يأخذِ المال كان عليه أن يُقتل ولا يُصلب" فقولُه: كان عليه أن يقتل معناه أن الحدَّ المفروض على مثله هو القتل سواءً سقط عنه حقُّ القصاص بالعفو أو لا.
هذا فيما لو كان المقتول مكافئاً له، وأمَّا إذا لم يكن المقتول مكافئاً للقاتل فإنَّه لا حقَّ لأولياء الدم في القصاص إلا أنَّ القاتل يقتل بحدِّ الحرابة بمقتضى إطلاق ما دلَّ على أنَّ المحارب إذا قتل فإنَّه يُقتل سواءً كان المقتول مكافئاً أو لم يكن مكافئاً.
المسألة الثالثة: إذا جرح المحاربُ أحداً كان مستحقَّاً للقصاص مضافاً للنفي كما أفاد ذلك مثل صحيحة محمد بن مسلم: "مَنْ شَهَرَ السِّلَاحَ فِي مِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ فَعَقَرَ اقْتُصَّ مِنْه، ونُفِيَ مِنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ" فلو عفا الوليُّ وأسقط حقَّه في القصاص فإنَّه يسقط بالعفو، وليس على الإمام في هذا الفرض جرحه، لأنَّ المفروض عليه هو القصاص وقد سقط بالعفو.
وبتعبير آخر: إنَّ الذي أفادته الرواية هو أنَّ مَن عقر أي جرح أقتُص منه، والقصاص من حقِّ الولي، فإذا أسقطه فإنَّه يسقط، نعم لو أفادت الرواية أنَّ من عَقر أي جرح فإنَّه يعقر فلو عفا الولي فإنَّ على الإمام أنْ يعقره حدَّاً لا قصاصاً ولكنَّ الرواية لم تقل أنَّ من عقر يُعقر وإنَّما أفادت أنَّ من عقر اقتُصَّ منه. وعليه فالمحارب إذا عقر فأسقط الوليُّ حقَّه في القصاص فإنَّه لا يعقر إلا أنَّ على الإمام نفيَه، لأنَّ العفو عن القصاص لا يقتضي سقوط النفي، فإنَّ النفي ليس حقاً للولي وإنَّما هو من الحدِّ المفروض على المحارب.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
4 / شعبان / 1447ه
24 / يناير / 2026م
1- سورة المائدة / 33.
2- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص565.
3- الكافي -الكليني- ج7 / ص248، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص307.
4- تفسير القمي -علي بن إبراهيم-، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص313.
5- الكافي -الكليني- ج7 / ص246، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص309.
6- الكافي -الكليني- ج7 / ص246، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص308.
7- مباني تكملة المنهاج -السيد الخوئي- ج41 / ص387.
8- الكافي -الكليني- ج7 / ص246، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص308.
9- الكافي -الكليني- ج7 / ص247، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص310.