سقوط حدِّ الحرابة بالتوبة

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

إذا تاب المحاربُ قبل إقامة حدِّ الحرابة عليه فهل يسقط عنه الحدُّ؟

الجواب:

التوبة قبل القدرة عليه:

إذا تاب المحاربُ قبل ضبطه والقدرة على أخذه قُبلتْ توبتُه وسقط عنه حدُّ الحرابة كما هو ظاهر الآية المباركة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا .. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(1) وقد بيَّنت معتبرة القمِّي أنَّ مفاد الاستثناء في الآية هو أنَّ سقوط حدِّ الحرابة عن المحارب بالتوبة إنَّما هو في فرض وقوعها قبل أخذ الإمام له قال: حدَّثني أبي عن عليِّ بن حسَّان عن أبي جعفر عليه السلام قال: "مَن حارب اللهَ وأخَذ المال، وقَتلَ كان عليه أنْ يُقتل ويُصلب .. ومَن حارب وقَتل ولم يأخذِ المال .. ثم استثنى عزَّوجل فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ يعني يتوب من قبل أنْ يأخذهم الامام"(2).

ويُؤيده رواية داود الطائي عن رجلٍ من أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن المحارب وقلت له: إن أصحابنا يقولون: إنَّ الإمام مخير فيه إنْ شاء قطع، وإن شاء صلب، وإن شاء قتل، فقال: لا، إن هذه أشياء محدودة في كتاب الله عزوجل، فإذا ما هو قتل وأُخذ قُتل وصُلب، وإذا قتل ولم يأخذ قُتل، وإذا أخذ ولم يقتل قُطع وإنْ هو فرَّ ولم يقدر عليه ثم أُخذ قُطع إلا أنْ يتوب، فإنْ تاب لم يُقطع"(3).

وكذلك هو مؤيَّد بما ورد في التبيان للشيخ الطوسي قال: "وأما عليٌّ (ع) فإنَّه حكم بذلك فيمَن كان مسلماً وهو حارثة بن بدر، لأنَّه كان قد خرج محارباً ثم تاب فقبل عليٌّ (ع) توبتَه"(4).

يسقط الحدُّ دون القصاص والغرامة:

ثم إنَّ ما يسقط عن المحارب بالتوبة هو حدُّ الحرابة، وأمَّا القصاص فيما لو جرح أو قَتل، والغرامة فيما لو أخذ مالاً فإنَّ شيئاً من ذلك لا يسقطُ بالتوبة دون خلافٍ بين الفقهاء رضوان الله عليهم كما أفاد صاحب الجواهر(5) ومنشأ ذلك هو أنَّ الظاهر من الآية وكذلك الروايات هو أنَّ الذي يسقط بالتوبة هو الحدُّ، وأمَّا القصاص والغرامة فهي حقوق تثبت بقطع النظر عن كون مجترح أسبابها محارباً أو لا، ولم يقم دليل على سقوطها فمقضى إطلاق أدلَّتها هو عدم سقوطها بالتوبة.

التوبة بعد القدرة عليه:

وإذا تاب المحارب بعد ضبطه والقدرة عليه لم يسقط عنه حدُّ الحرابة كما هو ظاهر مفهوم الآية، ولا أقلَّ من عدم ظهورها في أكثر من سقوط الحدِّ بالتوبة قبل القدرة عليه، وبذلك لا يكون ثمة من دليلٍ على السقوط لو وقعت التوبةُ بعد القدرة عليه، فيكون مقتضى إطلاق الآية وكذلك الروايات هو استحقاقه لحدِّ الحرابة حتى في فرض التوبة إذا كانت قد وقعتْ منه بعد أخذه والقدرةِ عليه.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

5 / شعبان / 1447ه

25 / يناير / 2026م


1- سورة المائدة / 33-34.

2- تفسير القمي -علي بن إبراهيم القمي- ج1 / ص168، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص313.

3- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص310.

4- التبيان في تفسير القرآن -الطوسي- ج3 / ص508.

5- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص581.