آل عمران في آية الاصطفاء

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾(1) من هم آل عمران الذين عنتهم الآية الشريفة؟

الجواب:

اختلف المفسِّرون فيمن هم آل عمران الذين عنتهم الآية المباركة، فقيل هم موسى وهارون(ع) والأنبياء والأوصياء الذين ينحدرون عنهما، وذلك لأنَّ والد موسى وهارون هو عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (ع).

والقول الآخر إنَّ آل عمران هما مريم وعيسى بن مريم (ع) فالسيِّدة مريم (ع) هي ابنة عمران من سلالة سليمان بن داود (ع) وبين العمرانين قرابة ألف وثمانمائة سنة(2).

والجدير بالذكر هو أنَّ عمران ولد كلٍّ من موسى وهارون ليس له ذكر بالاسم في القرآن المجيد وإنَّما تمَّ التعرٌّف على أنَّ اسم والد موسى وهارون هو عمران من طريق الأخبار التأريخية ومن طريق الروايات الواردة عن الرسول الكريم (ص) وأهل بيته (ع)(3).

وأمَّا عمران والد السيِّدة مريم وجدُّ نبيِّ الله عيسى (ع) فقد ورد ذكره في القرآن المجيد مرَّتين:

الأولى: عند قوله تعالى: ﴿​​​​​​​إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾(4).

الثانية: عند قوله تعالى: ﴿​​​​​​​وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾(5).

وهذا ما يرجِّح أنَّه المراد من قوله تعالى: ﴿​​​​​​​إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾(6) خصوصاً وأنَّ الحديث عن نذر امرأة عمران ما في بطنها وهي مريم(ع) جاء في سياق آية الاصطفاء لآل عمران.

ويُؤيد ذلك أيضاً أنَّ موسى وهارون والأنبياء والأوصياء المنحدرين عنهما يدخلون تحت عنوان آل إبراهيم (ع)، وأمَّا مريم وعيسى (ع) فهما وإن كانا من سلالة إبراهيم أيضاً إلا أنَّ خصوصيَّة مريم (ع) باعتبارها امرأة وخصوصيَّة عيسى (ع) حيث إنَّه ينحدر من إبراهيم (ع) من طريق إمِّه لذلك ناسب التنصيص على اصطفائهما منعاً لتوهُّم خروجهما عن دائرة الاصطفاء، وكذلك فإنَّ ثمة خصوصيَّة لعيسى (ع) تقتضي التنصيص عليه، وهي اعتقاد النصارى بألوهيَّته لكونه جاء من غير أبٍ فناسب التأكيد على أنَّه مولودٌ حادثٌ، وأنَّه من آل عمران وأنَّ ما ظهرَ على يديه من الخوارق إنَّما نشأ عن اصطفاء اللهِ تعالى له كما هو الشأن في سائر الأنبياء والأوصياء الذين اصطفاهم الله تعالى فأظهَر على أيديهم الخوارق والمعجزات والكرامات.

فالصحيح -ظاهرا- أنَّ المراد من عمران في آية الاصطفاء هو عمران والد السيِّدة مريم (ع) وعليه فآل عمران هما السيِّدة مريم (ع) ونبيُّ الله عيسى (ع). ولعلَّ ممَّا يؤيِّد أنَّ المراد من عمران في آية الاصطفاء هو والد مريم(ع) مضافاً لما ذكرناه هو ما ورد في تفسير القمي عند قوله تعالى: ﴿​​​​​​​وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾(7) قال: "لما وُلدتْ اختصم آلُ عمران فيها فكلُّهم قالوا نحن تكفلها فخرجوا، وقارعوا بالسهام بينهم فخرج سهم زكريا، فتكفلها زكريا"(8).

والحمد لله رب العالمين

الشيخ محمد صنقور

14 / شهر رمضان / 1447ه

4 / مارس / 2026م

 


1- سورة آل عمران / 33.

2- تفسير مجمع البيان ج2 / ص278، تفسير البيضاوي -البيضاوي- ج2 / ص29، تفسير النسفي -النسفي- ج1 / ص150.

3- لاحظ مثلاً: الكافي -الكليني- ج1 / ص24، 231، 385، ج2 / ص61، ج2 / ص117، 615، ج4 / ص213، 214،ج5 / ص83، ج6 / ص326، ج8 / ص66، 129، 193، 385.

4- سورة آل عمران / 35-36.

5- سورة التحريم / 12.

6- سورة آل عمران / 33.

7- سورة آل عمران / 44.

8- تفسير القمي -علي بن إبراهيم القمي- ج1 / ص102.