ما يتحقَّق به قتلُ العمد
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
ما هو الضابط الذي يتحقَّق به القتلُ العمدي المُوجب للقصاص؟
الجواب:
يتحقَّق قتلُ العمد من البالغ العاقل بأحد أمرين على سبيل منع الخلو:
الأول: أنْ يقصد الفاعلُ بفعله القتلَ للمجنيِّ عليه فيتَّفق وقوع القتل بفعلِه وإنْ لم يكن ما فعله قاتلاً في العادة كما لو وكزه أو ضربه بعصا لا يقتل مثلُها في العادة ولكنَّه قصد مِن وكزه أو ضربه القتل فاتَّفق وقوع القتل فإنَّ ذلك يكون من قتل العمد.
الثاني: أنْ يضربه قاصداً ضربَه بشيءٍ يقتل مثلُه في العادة كأنْ يضربه بحديدةٍ أو يشدخ رأسَه بحجرٍ يقتل مثلُه في العادة فيتَّفق وقوع القتل فإنَّ ذلك من قتل العمد وإنْ لم يكن قاصداً للقتل كما لو كان قاصداً للإيلام، فعدم قصد القتل لا ينفي عنه تعمُّد القتل إذا كان ما فعله يقتلُ عادةً.
مستند الضابط الأول:
ويدلُّ على الضابط الأول مثل صحيحة الْحَلَبِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه (ع): "الْعَمْدُ كُلُّ مَا اعْتَمَدَ شَيْئًا فَأَصَابَه بِحَدِيدَةٍ أَوْ بِحَجَرٍ أَوْ بِعَصًا أَوْ بِوَكْزَةٍ، فَهَذَا كُلُّه عَمْدٌ، والْخَطَأُ مَنِ اعْتَمَدَ شَيْئًا فَأَصَابَ غَيْرَه"(1).
فإنَّ الرواية ظاهرة في أنَّ مناط تحقُّق قتل العمد هو أنْ يقصد الجاني من جنايته إيقاع القتل على المجنيِّ عليه سواءً توسَّل في ذلك بما يقتلُ عادةً كما لو أصابه بحديدةٍ أو توسَّل في ذلك بما لا يقتلُ عادةً كما لو ضربَه بعصا لا يقتل مثلها أو وكزه بيده، فكلُّ ذلك يُعدُّ بحسب مفاد الرواية من قتل العمد. فقتلُ العمد هو تعمُّد القتل وقصده بقطع النظر عن طبيعة الوسيلة المعتمدة في ذلك أي سواء كانت هذه الوسيلة قاتلة في العادة أو لم تكن قاتلة، فإذا توسَّل بها قاصداً إيقاع القتل على المجنيِّ عليه فاتَّفق وقوع القتل عليه فهو من قتل العمد.
مستند الضابط الثاني:
ويدلَّ على الضابط الثاني مثل صحيحة أَبِي الْعَبَّاسِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: قُلْتُ لَه: أَرْمِي الرَّجُلَ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَا يَقْتُلُ مِثْلُه؟ قَالَ: هَذَا خَطَأٌ ثُمَّ أَخَذَ حَصَاةً صَغِيرَةً فَرَمَى بِهَا قُلْتُ: أَرْمِي بِهَا الشَّاةَ فَأَصَابَتْ رَجُلًا؟ قَالَ: هَذَا الْخَطَأُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيه، والْعَمْدُ الَّذِي يَضْرِبُ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُقْتَلُ بِمِثْلِه"(2).
فقوله (ع): "والْعَمْدُ الَّذِي يَضْرِبُ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُقْتَلُ بِمِثْلِه" يدلُّ على أنَّ الضرب بما يقتل عادةً يُعدُّ من قتل العمد، ومقتضى إطلاق الرواية هو أنَّ الضرب بما يُقتل بمثله يُعدُّ من قتل العمد سواءً قصد من الضرب به القتلَ أو قصد الإيلام، فإذا ضرب الجاني المجنيَّ عليه بالسيف على رأسه فقُتل من تلك الضربة فهو من قتل العمد وإنْ يقصد مِن فعله القتل وإنَّما قصد الجرح فإنَّ عدم قصد القتل لا ينفي بحسب ظاهر الرواية عن قتله صفةَ العمد وذلك لأنَّه ضربه بما يُقتل بمثلِه عادةً، وكذلك لو ألقاه من شاهقٍ قاصداً إعطابه دون قتلِه فاتَّفق وقوع القتل فإنَّه يكون مِن قتل العمد، لأنَّ هذا الفعل يُقتل بمثله عادةً فعدم قصد القتل لا ينفي صفة قتل العمد عن فعله. وهذا بخلاف ما لو رماه بحصاةٍ صغيرة فاتَّفق وقوع القتل فإنَّه لا يُعدُّ من قتل العمد إذا لم يكن قاصداً للقتل، وذلك لأنَّ الرمي بالحصاة الصغيرة لا يقتلُ عادة.
وكذلك يدلُّ على هذا الضابط صحيحة أبي العباس وزرارة عن أبي عبد الله (ع) قال: "إنَّ العمد أن يتعمَّده فيقتلُه بما يقتلُ مثلُه، والخطأ أن يتعمَّده ولا يريد قتله يقتله بما لا يقتلُ مثله، والخطأ الذي لا شك فيه أن يتعمد شيئا آخر فيصيبه"(3) فمناط القتل العمدي هو أنْ يقتله بما يقتلُ مثله أي يضربه -قاصداً ضربه- بآلةٍ يقتلُ مثلُها في العادة سواءً قصد من ذلك القتل أو قصد الجرح والإيلام. وهذا بخلاف قتل الخطأ فإنَّ مناطَه مضافاً إلى عدم قصد القتل هو أن يقتله بما لا يقتلُ مثلُه.
وأوضح من ذلك صحيحةُ الفضل بن عبد الملك عنه (عليه السلام) أنَّه قال: "إذا ضرب الرجلُ بالحديدة فذلك العمد، قال: وسألتُه عن الخطأ الذي فيه الدية والكفارة أهو الرجل يضرب الرجل فلا يتعمَّد قتله؟ قال: نعم، قلتُ: فإذا رمى شيئا فأصاب رجلًا؟ قال: ذلك الخطأ الذي لا يُشكُّ فيه، وعليه كفارة ودية"(4).
فإنَّ الواضح من قوله (ع): "إذا ضرب الرجلُ بالحديدة فذلك العمد" هو أنَّ مناط قتل العمد هو التوسُّل في الجناية بآلةٍ يقتل مثلُها في العادة وإلا لو كان مناط قتل العمد هو قصد القتل لم يكن للحديدة وشبهها ممَّا يقتل عادة خصوصية، فمفاد الرواية هو أنَّ التوسُّل في الجناية بما يقتل عادة كافٍ في تحقُّق عنوان قتل العمد وإنْ لم يكن القتل مقصوداً، وعليه فإذا ضرب الجاني المجنيَّ عليه بمثل الحديدة فذلك من العمد سواءً قصد القتل أو قصد الجرح فاتَّفق وقوع القتل.
وممَّا ذكرناه يتضح أنَّ الجاني لو لم يقصد القتل ولم يكن ما فعله أو ما توسَّل به في جنايته موجباً للقتل عادةً ولكنَّ القتل قد وقع فإنَّ ذلك لا يُعدُّ من قتل العمد، فلو أنَّ الجاني قصد من جنايته الإيلام للمجنيِّ عليه وتوسَّل في ذلك برميه بحصاةٍ صغيرة أو توسَّل في ذلك بلطمه على وجهه فمات فإنَّ ما فعله لا يُعدُّ من قتل العمد بل هو من قتل الخطأ المُوجب للدية دون القصاص.
ونشير في المقام إلى بعض الفروع المتصلة بضابط القتل العمدي:
منع المحبوس من الطعام والشراب:
الفرع الأول: إذا حبس أحدُهم آخر ومنع عنه الطعام والشراب مدَّة لا تستقيم معها الحياة عادةً فمات فإنَّ ذلك يُعدُّ من قتل العمد، فإنَّه إنْ قصد من ذلك القتل فهو من قتل العمد دون ريب، وإنْ لم يقصد القتل وإنَّما قصد الإيذاء فإنَّه كذلك يُعدُّ من قتل العمد لأنَّ الضابط الثاني لقتل العمد هو أنْ يفعل الجاني بالمجنيِّ عليه ما يقتضي القتل عادة، وهو متحقَّق في مفروض المسألة فإنَّه -بحسب الفرض- حبس عنه الطعام والشراب مدَّةً لا تستقيم معها الحياة فمات من ذلك، وقد ذكرنا أنَّ قتل العمد يتحقَّق بفعل ما يقتل عادةً وإنْ لم يكن الفاعل قاصداً للقتل بعد الفراغ عن كونه قاصداً لأصل الفعل.
امتنع المجني عليه عن العلاج فمات:
الفرع الثاني: لو أنَّ أحداً جرح آخر بقصد قتله أو أحرقه بقصد قتله فمات من ذلك الجرح أو ذلك الإحراق فإنَّ ما فعله الجاني يكون من قتل العمد حتى في فرض تمكُّن المجني عليه من العلاج ولكنَّه تركه اختياراً.
والوجه في ذلك -كما أفاد السيد الخوئي(5)- هو أنَّ القتل مستندٌ عرفاً لفعل الجرح أو الإحراق فهو المقتضي لوقوع القتل فالقتل من آثاره، أمَّا ترك العلاج فهو وإن كان دخيلاً في تحقق الموت إلا أنَّه من قبيل عدم تحقُّق المانع والقتل لا يُسند إلى عدم المانع، وإنَّما يسند للمقتضي، ونظير ذلك ما لو أقدم أحدهم على قتل آخر وكان الآخر قادراً على الدفع عن نفسه لكنَّه لم يفعل اختياراً فإنَّه لا إشكال في اسناد القتل للقاتل، ولا تتنفي عنه صفة القاتل لمجرد أنَّ المقتول كان قادراً على الدفع عن نفسه، وما ذلك إلا لأنَّ القتل إنَّما يسند للمقتضي وهو فعل القاتل دون عدم المانع. نعم لا أشكال في أنَّ المقتول في كلا الفرضين يكون مستحقَّاً للإثم وذلك لأنَّه مكلَّف بالحفظ لنفسه، فتركُ العلاج أو الدفع عن النفس يكون من المعصية الموجبة للإثم لكن ذلك لا يصحِّح اسناد القتل إليه كما هو واضح.
سراية الجناية غير القاتلة عادة:
الفرع الثالث: لو أنَّ أحداً جنى عمداً على آخر جنايةً لا يقتلُ مثلها عادةً، ولم يقصد الجاني من جنايته القتل إلا أنَّه اتَّفق موت المجني عليه بعد زمن وكان منشأ الموت هو سراية الجناية التي وقعت عليه، ومثال ذلك ما لو أصابه بجرح لا يقتل مثله في العادة ولم يكن يقصد من فعله القتل إلا أنَّ هذا الجرح لم يندمل أو تلوَّث فأدَّى إلى موته فهل يكون ذلك من قتل العمد المصحِّح للقصاص.
المشهور -ظاهراً-(6) أنَّ ذلك يُعدُّ من قتل العمد، وذلك لأنَّ السراية في موارد الجناية العمدية مضمونة وإنْ لم تكن السراية مقصودة للجاني، يعني أنَّه حتى لو لم يقصد سوى الجرح إلا أنَّه حيث اتفق سراية الجرح وأدائه للموت فإنَّ السراية مُسندة للجرح المسند للجاني لذلك يكونُ الجاني مستحقَّاً للقصاص.
وأجاب السيِّد الخوئي(7) عن ذلك بأنَّ المضمون هو مقدار الجناية، وأمَّا السراية فحيث لم تكن مقصودة ولا ممَّا تترتَّب عادة على مثل هذا الجرح فإنَّ ذلك لا يُعدُّ من قتل العمد، فإنَّ قتل العمد لا يتحقَّق إلا بقصد القتل أو بفعل ما يترتَّب عليه القتل عادةً، وكلا الضابطين غير متحققٍ في الفرض المذكور فالجاني لم يقصد بجنايته القتل كما أنَّ جنايته لا تقتلُ عادة.
ولعلَّ مما يؤكِّد ذلك ما ورد في معتبرة ذريح قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجلٍ شجَّ رجلاً موضحة، وشجَّه آخر داميةً في مقامٍ واحد فمات الرجلُ؟ قال: عليهما الدية في أموالها نصفين"(8).
فإنَّ الشجَّة الموضحة(9) لا يقتل مثلها في العادة، وكذلك الشجة الدامية(10) فوقوع القتل الناشئ عن سراية الجناية وقع اتفاقاً على خلاف ما تقتضيه طبيعة الجراحة التي أصيب بها المجني عليه لذلك أفادت الرواية أنَّه ليس مِن قتل العمد المصحِّح للقصاص وإنَّما هو مِن قتل الخطأ المُوجب للدية.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
17 / شوال / 1447ه
6 / أبريل / 2026م
1- الكافي -الكليني- ج7 / ص278، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص36.
2- الكافي -الكليني- ج7 / ص280، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص38.
3- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص160، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص40.
4- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص105.وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص38.
5- مباني تكملة المنهاج -السيد الخوئي- ج42 / ص6.
6- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص29.
7- مباني تكملة المنهاج -السيد الخوئي- ج42 / ص7.
8- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص168، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص280.
9- الشجة الموضحة هي التي تكشف عن العظم فيُرى بياضه
10- الشجة الدامية هي التي تقطع الجلد وتشق اللحم وتدمى فإن سال الدم منها فهي شجة دامية وإن لم يسل فهي شجة باضعة.