ما يحرم قراءته من القرآن على الجنب والحائض

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

ما الذي يحرمُ قراءته على الجنب والحائض والنفساء هل هي سور العزائم الأربع أو هي آيات السجدة من سور العزائم؟

الجواب:

المشهور بين الفقهاء بل ادُّعي الإجماع على أنَّ المحرَّم قراءته على الجنب والحائض هو سور العزائم وفي مقابل ذلك ذهب جمع من الفقهاء إلى أنَّ المحرَّم قراءته على الجنب والحائض هو خصوص آيات السجدة من سور العزائم الأربع(1).

ومستند كلٍّ من القولين يتَّضح من ملاحظة الروايات الواردة في هذا الشأن وعمدتُها ثلاث روايات:

الأولى: موثقة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) -في حديث- قال: قلت له: الحائض والجنب هل يقرءآن من القرآن شيئا؟ قال: نعم ما شاء الله الا السجدة، ويذكرانِ الله على كلَّ حال"(2).

الثانية: صحيحة محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر(عليه السلام): الجنب والحائض يفتحان المصحف من وراء الثوب ويقرآن من القرآن ما شاءا إلا السجدة"(3).

تقريب الاستدلال للمشهور وجوابه:

وتقريب الاستدلال بالروايتين لما عليه المشهور هو أنَّ قوله (ع): "إلا السجدة" ظاهر في إرادة سورة السجدة، إذ من المقطوع به عدم إرادة فعل السجدة والذي هو وضع الجبهة على الأرض، إذ لا معنى لاستثناء السجدة -والتي فعل من الأفعال- من القراءة، لذلك فالمتعيَّن هو إرادة سورة السجدة، وذلك لاشتهار التعبير عن مجموع السورة بشيءٍ مما تشتمل عليه، فيقال مثلاً قرأتُ البقرة أو قرأتُ آل عمران أو قرأتُ النمل ويقصد من ذلك أنَّه قرأ سورة البقرة، وسورة آل عمران، فمعنى أنَّ الجنب يقرأ ما يشاء من القرآن إلا السجدة هو أنَّ له أنْ يقرأ ما يشاء من القرآن إلا السورة التي فيها السجدة، ويؤيد هذا الفهم الإجماعات المنقولة على أنَّ المحرَّم على الجُنُب والحائض هو قراءة السور التي فيها السجدة المعبَّر عنها بسور العزائم.

إلا أنَّ الصحيح هو عدم تمامية هذا الاستظهار فقوله (ع): "إلا السجدة" وإن لم يكن المراد منه فعل السجدة بقرينة استثنائها من القراءة إلا أنَّ ذلك لا يقتضي تعيُّن إرادة السورة، فكما يُحتمل أنَّ المراد من السجدة هو سورة السجدة كذلك يُحتمل أنَّ المراد منها هو آية السجدة، فالفقرة وإنْ كانت ظاهرة في أنَّ ثمة مضافاً مقدر إلا أنَّ هذا المضاف المقدَّر غير متعيِّن في السورة بل هو دائر بين أن يكون المضاف للسجدة هو السورة أو يكون المضاف لها هو الآية، وليس في البين قرينة على تعيُّن الإرادة لأحدهما، وأمَّا تعارف التعبير عن السورة بشيء ممَّا تشتمل عليه فهو لا يقلُّ عن تعارف التعبير عن الآية بشيءٍ مما تشتمل عليه فيُقال آية الكرسي وآية التطهير وآية القتال وآية الكلالة وهكذا فالصحيح هو إجمال المراد من قوله (ع): "إلا السجدة" ولهذا فهو حجَّة في القدر المتيقَّن منه، وهو المنع من قراءة الجنب لآية السجدة، وما عداها من سائر آيات السورة يدخل تحت إطلاق ما دلَّ على أنَّ للجنب أن يقرأ ما يشاء من القرآن. كصحيحة الفضيل بن يسار عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال: "لا بأس أنْ تتلو الحائض والجنب القرآن"(4) وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع): قال: سألتُه أتقرأ النفساء والحائض والجنب والرجل يتغوط القرآن؟ فقال: يقرؤن ما شاؤوا"(5).

وكذلك فإنَّ الأصل يقتضي بعد البناء على إجمال قوله (ع): "إلا السجدة" هو البراءة عن حرمة ما زاد على القدر المتيقَّن، هذا بقطع النظر عن الرواية الثالثة.

ما يظهر من رواية البزنطي:

وأمَّا الثالثة: فهي ما رواه المحقق في (المعتبر) قال: يجوز للجنب والحائض أنْ يقرءا ما شاءا من القرآن إلا سور العزائم الأربع وهي: أقرء باسم ربك، والنجم، وتنزيل السجدة، وحم السجدة، روى ذلك البزنطي في جامعه عن المثنى عن الحسن الصيقل عن أبي عبد الله (عليه السلام)"(6).

وهذه الرواية تصلحُ لرفع الإجمال عن المراد من معتبرتي زرارة ومحمد بن مسلم فهي صالحة لبيان أنَّ المراد من قوله: "إلا السجدة" هو استثناء سورة السجدة. إلا أنَّ ذلك لا يُنتج حرمة قراءة الجنب لبعض سورة السجدة، وذلك لأنَّ الظاهر من حرمة سورة السجدة أنَّ موضوع الحرمة هو مجموع السورة، فلا يصدق على مَن قرأ بعض آياتها أنَّه قرأ سورة السجدة، تماماً كما لو قيل اقرأ سورة الفاتحة فإنَّه لا يعدُّ المخاطَب ممتثلاً لو قرأ بعض آياتها، وذلك لأنَّ موضوع الأمر هو المجموع، وبهذا تكون النتيجة هي جواز أنْ يقرأ الجنب وكذلك الحائض والنفساء سائر آيات سورة السجدة باستثناء الآية التي فيها الأمر بالسجود، وبذلك لا يكون قد قرأ سورة السجدة وإنَّما قرأ بعضها، وقد ذكرنا أنَّ بعضها ليس هو موضوع الحرمة إذ أنَّ موضوعها بحسب الظاهر من رواية البزنطي هو مجموع سورة السجدة.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

20 / شوال / 1447ه

9 / أبريل / 2026م


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج3 / ص43، مستند الشيعة -النراقي- ج2 / ص283، الحدائق الناضرة -الشيخ يوسف البحراني- ج3 / ص55.

2- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج2 / ص216.

3- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج2 / ص217.

4- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج2 / ص217.

5- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج2 / ص217.

6- المعتبر -المحقق الحلي- ج1 / ص187، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج2 / ص218.