فاضل المؤنة هو من الموضوعات المستنبطة؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

 

المسألة:

صدق فاضل المؤونه -في كتاب الخمس- هل هو من المواضيع المستنبَطة التي يُرجع فيها إلى الفقيه؟ أو هو من المواضيع الصرفة التي يرجع فيها إلى تشخيص المكلَّف؟ ثم إنَّه إن كان من القسم الثاني فإنَّ أكثر اختلافات الفقهاء في باب أرباح المكاسب يكون من الاختلاف في التشخيص الذي لا يكون قول الفقيه فيه حجَّة على المكلف ما لم يوجب له الاطمئنان؟

 

الجواب:

مفهوم المؤنة وفاضلها من المفاهيم العرفية الواضحة ولكن في الجملة كما هو الشأن في أكثر موضوعات الأحكام حيث يقع الشك غالباً في بعض خصوصياتها ويترتَّب على ذلك الاشتباه في موضوع الحكم من حيث السعة والضيق، فتكون الشبهة في مورده مفهومية وليست مصداقية.

 

فمفهوم الصعيد مثلاً واضح الصدق عرفاً على التراب فهو القدر المتيقَّن من مدلوله لدى العرف إلا أنَّ صدقه عرفاً على الحجر والمدر أو الأحجار الكريمة غير مُحرَز، فيحتاج التثبُّت من ذلك إلى البحث وإعمال النظر.

 

ومنشأ الشك في صدق مفهوم الصعيد على هذه الموراد هو اشتمال هذه الموارد على خصوصيات يحتمل اقتضاؤها لانتفاء عنوان الصعيد عنها عرفاً أو انتفاء بعض الخصوصيات عنها والتي يُحتمل دخلها في صدق عنوان الصعيد عليها لدى العرف، ولا يمكن التثبُّت من ذلك إلا بالبحث والنظر.

 

وهكذا هو الشأن في مثل مفهوم الغناء، والعيوب، والتدليس، والفقير، فإنَّ هذه المفاهيم وإنْ كانت واضحة لدى العرف في الجملة ولكنَّه يقع الشك في صدقها على بعض الموارد، ولهذا فالشبهة في هذه الموارد مفهومية أي إنَّ هذه المفاهيم التي لها قدر متيقَّن تكون الشبهة فيها مفهومية بين الأقل والأكثر.

 

ويكون البناء على دخول بعض الموارد أو خروجها مفتقراً إلى اجتهادٍ ونظر، ومع العجز عن الوصول للنتيجة الاجتهادية تصلُ النوبة إلى إجراء الأصل العملي والذي لا يصح إجراؤه لغير المجتهد، لأنَّ مآل الشك في موارد الشبهات المفهومية إلى الشك في الحكم الكلي.

 

فحينما يقع الشك في أنَّ الحِداء غناء أو ليس غناءً عرفاً للشك في أنَّ المناسبة لمجالس اللهو والفسوق هل لها دخل في صدق عنوان الغناء على الصوت المرجَّع أو لا.

 

ففي مثل هذا الفرض يكون مؤدَّى الشك هو أنَّ الله تعالى هل جعل حكم الحرمة على الحداء أو لا، وهو شك في حكمٍ كلِّي، والذي يصح له إجراء البراءة عنه هو المجتهد، لأنَّ الأصل لا يجري في هذا الفرض إلا بعد الفحص المفتقر لملكة الإجتهاد.

 

وبذلك يتضح الحال في موضوع وجوب الخمس وهو ما يفضل عن المؤنة، فإنَّ هذا المهفوم له مدلول عرفي واضح ولكن في الجملة.

 

فحينما يقعُ البحث في حكم المال الذي ربحه المكلف ببيع خيارى غير مستقرٍّ فجاء رأسُ السنة الخمسية والمال لا زال في ملكه، فهل يجب تخميسه أو لا؟

 

ومنشأ الشك هنا في وجوب الخمس هو الشك في صدق عنوان فاضل المؤنة على هذا المال.

 

فبناءً على أنَّ عنوان فاضل المؤنة يصدق على مطلق المال المملوك عند رأس السنة فحينئذٍ لابد من الحكم بوجوب التخميس، وبناءً على اختصاص صدق هذا المفهوم على المال المملوك ملكاً مستقراً وعدم صدقه على المملوك ملكاً متزلزلاً فالخمس غير واجب.

 

ومع الشك لابدَّ من البحث والنظر فيما هو المدلول العرفي لهذا العنوان وما هو مقتضى الدليل الشرعي الاجتهادي من حيث الشمول وعدمه وحينما لا يصل المجتهد لنتيجة اجتهادية فحينئذٍ يسوغ له إجراء أصالة البراءة عن الوجوب في هذا المورد.

 

والحمد لله رب العالمين

 

الشيخ محمد صنقور