حكم الختان للذّكور

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

 

المسألة:

ما هو حكم خِتان الذُّكور من حيث الوجوب وعدمه؟ وهل هو محلُّ وفاقٍ بين الفقهاء؟

 

الجواب:

حكم الختان للذكر هو الاستحباب قبل البلوغ، بمعنى أنَّه يُستحب للولي أنْ يختن الولد قبل بلوغه، فإذا لم يُختن قبل البلوغ وجب على المكلَّف أن يختتِن بعد البلوغ.

 

واستدلَّ صاحبُ الجواهر على الوجوب بعد البلوغ بنفي وجدان الخلاف وبدعوى الاِجماع المحصَّل والمنقول ثمَّ ترقّى وأفاد أنَّ ذلك ثابتٌ بالضرورة من المذهب والدين، واستدلَّ كذلك ببعض الروايات الواردة عن أهل البيت (ع).

 

منها: معتبرة السكوني عن أبي عبد الله (ع) قال: قال أميرُ المؤمنين (ع): "إذا أسلم الرجل اختتنَ ولو بلغ ثمانين"(1).

 

ومنها: ما ورد في عيون أخبار الرضا (ع) للشيخ الصدوق باسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) أنَّه كتب للمأمون: "والختان سنَّة واجبة للرجال .."(2).

 

أما معتبرة السكوني فمنشأ ظهورها في إفادة الوجوب هو أنَّ الفعل الماضي "اختتن" سيق لغرض الإنشاء فيكون بمعنى الأمر، والأمر ظاهر في الوجوب بل إنَّ ظهور الفعل الماضي المسوق لغرض الإنشاء في الوجوب أوضح من فعل الأمر لتضمُّنه في مثل المقام معنى المفروغية عن حدوث متعلَّقه، فكأنَّ الإمام(ع) أراد القول بأنَّ الختان ونظراً لكونه من مقتضيات الإسلام فإنَّه متحقَّق متى ما أسلم الرجل.

 

وأمَّا رواية الفضل عن الرضا (ع) فهي ليست ظاهرة في الوجوب بمعنى الإلزام بل المراد من الوجوب ظاهراً هو الثبوت المحتمِل لإرادة الإلزام والاستحباب، فإنَّه مضافاً إلى أنَّ ذلك هو المناسب للمعنى اللُّغوي لكلمة الوجوب كما في قوله تعالى: {وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا} أي ثبتت، فمضافاً إلى ذلك فإنَّ المقابلة بين هذه الفقرة والفقر الثانية للرواية وهي قوله (ع): "ومكرمة للنساء" يقتضي استظهار إرادة الإفادة لهذا المعنى وهو أنَّ الختان سنَّة ثابتة للرجال، وليست هي سنَّة للنساء، وإنَّما هي مكرمة لهن، والذي يُؤيِّد أيضاً إرادة الإمام (ع) الثبوت من قوله: "سنة واجبة" هو الفقرة التي سبقت هذه الفقرة من الرواية: "والعقيقة عن المولود للذكر والانثى واجبة، وكذلك تسميته وحلق راسه يوم السابع ويتصدَّق بوزن الشعر ذهبًا او فضة" فمعنى قوله: إنَّ العقيقة عن المولود واجبة -وكذلك التسمية والحلق والتصدُّق بوزن الشعر- هو أنَّها ثابتة في شريعة الله تعالى وسنَّة رسوله (ص).

 

فالصحيح هو أنَّ رواية الفضل عن الرضا (ع) ليست ظاهرة في وجوب الاِختتان على الذكر بعد البلوغ، ولكنَّ معتبرة السكوني ظاهرة في ذلك، ويُمكن أن يُستدلّ لذلك أيضًا بمعتبرة غياث بن إبراهيم عن جعفر بن محمّد عن أبيه (ع) قال: قال عليٌّ (ع): "لا بأس بأنْ لا تختتن المرأة، فأمّا الرجل فلا بدَّ منه"(3) فإنَّ اللابديَّة تعني الوجوب ظاهراً.

 

وكذلك بما رواه الصدوق في كمال الدين بسنده عن أبي الحسين محمد بن جعفر الاسدي فيما ورد في التوقيع الشريف عن محمّد بن عثمان العمري في جواب مسائله عن صاحب الزمان (ع) قال: "وأمَّا ما سألتَ عنه عن أمر المولود الذي تنبت غلفتُه بعدما يُختن، هل يختن مرّةً أخرى؟ فإنّه يجب أنْ تُقطع غلفته .."(4).

 

الختان شرطٌ في صحة الطواف:

ثمَّ إنَّه لم يقع خلافٌ بين الفقهاء في اعتبار الختان للرجل شرطًا في صحَّة الطواف.

 

وتدلُّ على ذلك مجموعة من الروايات الواردة عن أهل البيت (ع):

منها: معتبرة معاويّة بن عمَّار عن أبي عبد الله (ع) قال: "الأغلف لا يطوفُ بالبيت، ولا بأس أنْ تطوف المرأة "(5).

 

ومنها: معتبرة حريز عن أبي عبد الله (ع) قال: "لا بأس أنْ تطوف المرأة غير المخفوضة، فأمَّا الرجل فلا يطوف إلا وهو مُختتِن"(6).

فالمستظهر عرفاً من الروايتين أنَّ النفي سيق لغرض الارشاد إلى الشرطية، أي إلى اعتبار الختان شرطاً في صحة الطواف .

 

والحمد لله رب العالمين

 

الشيخ محمد صنقور

 


1- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج21 / ص440.

2- عيون أخبار الرضا (ع) -الشيخ الصدوق- ج1 / ص132.

3- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج21 / ص437.

4- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج21 / ص442.

5- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج13 / ص270.

6- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج13 / ص271.