الضابط في معنى كشف العيب المستور


المسألة:

بناء على تعريف الغيبة بأنها كشف العيب المستور، ما هي الضابطة في كون العيب مستوراً؟ وما هو المراد من الكشف؟

 

فمثلا: لو كان العيب مكشوفاً عند أهل قريته أو محلته ولم يكن كذلك عند أهل القرى الأخرى فهل يُعد كشف العيب لأهل القرى الأخرى مصداقاً للكشف المحرم؟


الجواب:

الضابطة فيما يصدق عليه كشفٌ للعيب المستور هو بالاضافة إلى المخاطَب، فإذا كان العيب مستوراً ومجهولاً للمخاطَب فذكره عنده يُعدُّ كشفاً لما هو مستور وإنْ كان هذا العيب مكشوفاً عند الكثير من الناس.

 

ومن ذلك يُعرف انَّ أحداً لو كان متَّصفاً بعيبٍ مكشوفٍ عند أهل قريته ومحلته ولكنه مستور عند غيرهم فإنَّ ذكر هذا الرجل بعيبه عند من لا يعرفه به يُعدُّ من الغيبة بحسب هذا التعريف. والوجه في ذلك انَّ الستر والكشف من المفاهيم الإضافية، فالشيء يكون مستوراً بالاضافة إلى أحدٍ من الناس ويكون في ذات الوقت مكشوفاً بالاضافة إلى آخر، وحيث كان البناء في تعريف الغيبة هو انَّها كشف العيب المستور فإنَّ هذا المفهوم يكون متحققاً وصادقاً في كلِّ موردٍ يكون فيه ذكر العيب كاشفاً لما هو مجهولٌ ومستور لدى المخاطَب، ولهذا يصح دون أدنى عناية إسناد الكشف عما هو مستور إلى المتكلم في فرض جهل المتلقِّي لخطابه بالعيب قبل ذكره له، فيُقال للمتكلم لقد كشفتَ مستوراً.

 

نعم قد يُقال إنَّ مثل رواية ابن سيابة عن أبي عبدالله (ع) قال: إنَّ من الغيبة أنْ تقول في أخيك ما ستره الله عليه وإنَّ من البهتان أنْ تقول في أخيك ما ليس فيه"(1)، ظاهرة في انَّ العيب المستور-الذي يكون ذكره من الغيبة- هو المقابل للعيب الظاهر كما هو مقتضى المقابلة في الرواية، وعليه فالعيب إذا كان شائعاً بين الناس لا يصدق عليه انَّه مستور وإنْ جهله آخرون، فلذلك لايعدُّ ذكره عند مَن يجهل إتصاف الرجل به من الغيبة بمقتضى الرواية، إلا انَّ الصحيح هو عدم ظهور الرواية في المعنى المذكور فإنَّ المقابلة بين المستور والظاهر لا يقتضى هذا الاستظهار بل من المحتمل قوياً إنَّ المراد من الرواية هو إفادة انَّ العيوب على قسمين، فمنها ما هو ظاهرٌ بحيث يعرفها كلُّ من يعرف صاحبها وذلك لظهورها بنفسها كالعمى والعرج وسائر العيوب الخَلْقية والنفسية كالعجلة والحدَّة الظاهرة.

 

ومن العيوب ما لا يكون كذلك مما قد يتفق صدوره من الانسان كالمعصية، فهذه التى لا يلزم عادةً من معرفة صاحبها العلم بإتصافة بها، فإذا كان هذا هو المراد من المقابلة فحينئذٍ لا يكون معنى المستور هو المقابل للشائع عند الكثير من الناس.

 

ومع عدم القبول بظهور الرواية في المعنى الثاني فهى أيضاً غير ظاهرةٍ في المعنى الاول فتكون مجملة غير صالحة لنفي ما ذكرناه من الضابطة التى يتحقق بها الكشف للعيب المستور.

 

وثمة روايةٌ آخرى قد يُقال إنَّها ظاهرة في خلاف ما ذكرناه من ضابطة التمييز بين العيب المستور وغيره. وهي رواية أبان عن رجل لا يعلمه إلا يحى الازرق قال: قال لي أبو الحسن "من ذكر رجلاً من خلفه بما هو فيه مما عرفه الناس لم يغتبه، ومن ذكره من خلفه بما هو فيه مما لا يعرفه الناس إغتابه"(2).

 

فقد يقال انَّ الظاهر من قوله (ع): "مما عرفه الناس" ليس هو كل الناس حتماً بل ولا أكثرهم، لأنَّ ذلك لا يتفق عادةً، فالمتعيَّن من معنى الفقرة المذكورة هو ظهور العيب وشيوعه بحيث يعرفه الكثير من الناس، فمتى ما صدق على عيب أحدٍ انَّه من العيوب الشائعة بين الكثير من الناس فإنَّ ذكره بهذا العيب حتى عند مَن لايعرفه لا يُعدُّ من الغيبة بمقتضى إطلاق الرواية. إلا انَّ الصحيح هو عدم تعيُّن إرادة هذا المعنى من فقرة " مما عرفة الناس" فإنَّ من المحتمل قوياً هو انَّ المراد من الفقرة المذكور هو العيب الذي يعرفه كلُّ من يعرف صاحبه كما لو كان العيب من قبيل العرج الظاهر أو العمى فإن كلَّ من يعرف زيداً مثلاً فإنه يعرف إتصافه بالعمى أو العرج.

 

وحينئذٍ يكون معنى الرواية انَّ ذكر العيب الذي يكون من قبيل العيوب الظاهرة بنفسها أو التى إتفق ظهورها بحيث أصبحت بمستوىً لا يتفق المعرفة بصاحبها مع الجهل باتصافه بها، مثل هذه العيوب لا يُعدُّ ذكرها من الغيبة. فلو تمَّ استظهار هذا المعنى من الرواية فحينئذٍ يكون مقتضاها انَّ ذكر العيوب التى لا تكون من هذا القبيل خصوصاً عند من يجهل إتصاف المذكور بها يُعدُّ من الغيبة، قلا تكون الرواية منافية لما ذُكر من انَّ معنى الغيبة هو كشف العيب المستور وانَّ الضابط في المستور هو بالاضافة إلى المخاطَب. على انَّ الرواية ضعيفة السند بيحيى الازرق، وإنْ كان الذي روى عنه من أصحاب الاجماع، وعليه فلا تصلح الرواية لاثبات جواز ذكر عيب المؤمن عند مَن يجهل إتصافه به لمجرَّد ان هذا العيب مما عرفه به الكثير من الناس.

 

والحمد لله رب العالمين

 

الشيخ محمد صنقور

 

1- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج 12 ص 283.

2- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج 12 ص 289.